أنا من جيل، كان فيه صوت الحرم المكي يملأ البيوت مع كل مغرب وعشاء، في طفولتي كان الخروج بعد المغرب شبه مستحيل إلا في نهاية الأسبوع، لم يكن أمامنا من أدوات سوى قراءة الكتب والدراسة، والقناة الأولى.
نشأت فعلياً على أصوات الخليفي، السبيَل، وعلي جابر، والسديس، والأخير جاء في منتصف الثمانيات وكان في بداية مشواره، تدرج وكسب كل الإعجاب وتدرج ليكون الصوت الأول لا قبله ولا بعده.
كنت أعتقد أن سنين السديس الذهبية ستتراجع بعد الستين، ويبهت صوته كتسلسل طبيعي في العمر، وهو ما أحسسته فعلاً عندما انشغل بمنصبه الجديد كرئيس لشؤون المسجد الحرام بمرتبة وزير، والعمل الإداري مرهق جداً وحساس لمنصب مدير إدارة فما بالك بمنصب وزير ويدير شأناً لا يشابهه أي شأن في العالم.
ذبل صوت السديس وتراجع حضوره تأثيره مع ظهر أسماء جدد – في ذلك الوقت – مثل المعيقلي والشريم، وبدأ السديس يعوض هذا النقص – كشعور طبيعي – بالظهور الإعلامي والتصريح بشكل غير مسبوق وهو إجراء متوقع عن كل من يخفت نجمه .
قبل عامين، صدر قرار مجلس الوزراء بإنشاء الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين، وأصبح الشيخ السديس رئيساً للشؤون الدينية بالمسجد الحرام، هذا التغيير خفف عنه العبء الإداري وأتاح مساحة أكثر للعودة إلى الإمامة.
والمفاجأة في وجهة نظري أن عودة السديس جاءت بوهجٍ يشابه انطلاقته الأولى في منتصف الثمانيات، أصبح صوته أكثر جمالاً، ونطقه للحروف ومخارج الكلمات الصعبة أكثر دقة، وأصبح يقرأ بخبرة المتأمل لا بعفوية المتحمس، وفي رأيي أن المستوى الذي يصله الآن – ويساعده تطور وسائل التسجيل – يفوق بداياته الأولى.
حاولت أن أستحضر أسماء لمبدعين خفتت نجوميتهم ثم عادوا للتألق بعد عمر الستين من جديد على المستوى المحلي فلم أتذكر أحداً، مع وجود حالات عالية في مجالات أخرى يعود فيها المبدع للقمة بعد عمر الستين، لأسباب متنوعة أبرزها التحرر الإداري والتفرغ للموهبة.
عندما أرغب بسماع صوت الشيخ السديس في الصباح استخدم البحث (السديس 1446) أو (السديس 1447) للوصول لأفضل النتائج (السديسية) بعد أن تجاوز عمره الخامسة والستين، وأنصحك أن تبحث في منصة تيك توك لجودة النماذج وجودة مخرجات الصوت، مقارنة بيوتيوب الذي أفسده دخول أحبابنا العرب الباحثين عن المشاهدات والعوائد.
وأشيد بالختام بالقناة الرائعة (شؤون الأئمة والمؤذنين)، ورفعها للتسجيلات بكاميرا الإمام وليست بكاميرا النقل التلفزيوني، مع التمنيات مستقبلاً برفع جودة الصوت ليكون مثل جودة هذا المقطع للشيخ الشريم :
في ترشيح المسلسلات والأفلام، أواجه مشكلة حينما أجد وقتاً متاحاً - مثل هذه الإجازة -…
أحياناً .. أحمد ربي بأني تأسست بأسلوب المدرسة الإعلامية القديمة، مدرسة الخبر، والمقال، والتغطية الميدانية،…
أعترف بأني لا أتحمس لأفكاري، وأعترف بأني أحياناً أكتفي برميها كأمنيات للأصدقاء في جلسات الصفاء…
من يعرفني يعلم بأني إن أحببت شيئاً، فإني أوغل في حبه بشكل مبالغ فيه، وأحياناً…
في سنوات سابقة، كانت كتابة هذه التغريدة السنوية مثار حماس لي، وبالكاد كنت أنهي آخر…