وداعاً 2020 .. مرحباً 2021

متأخر ؟ نعم أنا متأخر .. أعلم ذلك، ومنذ أن تراكم الغبار على أرجاء هذه المدونة، وأنا أدخل وأخرج منها وكأني أتلافى أن تتسخ ملابسي، أفتح تدوينة جديدة واكتب بارتجال ثم أراجع ماكتبت وأخجل ثم أمسح ، رغم أني أعلم بأن من سيقرأ التدوينة الآن قد لا يتجاوز العشرات، ولن يطلع عليها عدد كبير كما السابق .. لكن مازال الخجل يلاحقني وكأني أكتب هذه السطر ليقرأها عشرات الآلاف.

أعلم بأنكم مللتم من مقولة سنة للنسيان .. سنة غريبة .. سنة عبيطة، صحيح أن مجرد الخوف من الإصابة بكورونا لي أو لأحد المقربين مني لاسيما والدي كانت هاجساً، إلا أن الأمور لم تكن بذلك السوء، باستثناء الملل نتيجة البقاء في. المنزل طوال الوقت.

لا ..لست مثلك ومن آخرين استفادوا من الحجر المنزلي بالقراءة أو تعلم شيء جديد، أبداً فقد كانت سنة كسل وخمول والتنقل بين أركان المنزل من هنا وهناك، وحقيقة لشخص مثلي ((كان)) يعمل على مدار فترتين في اليوم الوحد فإن مجرد البقاء مع الأسرة كل هذا الوقت هو أمر ممتع حقيقة، وفيه جانب آخر لاسيما جانب التوفير المادي .. التحويشة في نهاية العام كانت مجزية .

لم يكن شعوراً سيئاً أن تقضي هذا الوقت الطويل في المنزل، تذكرت أجواء الإجازات الصيفية الطويلة، لم يكن يكدر هذه الأجواء سوى اجتماعات (الأونلاين) الطويلة، والتي حقيقة لا أذكر فيما كانت تدور، كل ما أذكره أنها تدوم لساعات وساعات حتى الملل.

أنظر لنفسي الآن وأتأمل حالي أكثر وأكثر بعد كل سنة أكبر فيها، أصبحت أعود للأجواء الشعبية أكثر وأكثر، لا تطربني سوى أغاني السبعينات والثمانينات وربما التسعينات، وأنظر باستحقار لمن تطربه الأغاني الجديدة .. هذا شخص لا يفهم ، وعدت لعشق الوجبات الشعبية أكبر وأسرق اللحظات السرية التي أذهب فيها لمطاعم الرياض القديمة في الديرة والحلة .. ، لم تعد الوجبات الجديدة والعصرية تستهويني .. أحسها مجرد ديكور ورقي تستعرضها اللوحات والرسمات داخل المطاعم، أقطع أحياناً نحو نصف ساعة نحو تناول إفطار صحن كبدة في شارع عسير .. على أن لا أفطر في المطاعم الراقية والجديدة القريبة من بيتي .

عائلياً .. أرهقني هذا الخالد كثيراً، أكمل عامين من عمره، لكنها توازي 10سنوات، متهور وحركي بشكل لم نعتاده في منزلنا الهادئ أبداً، لو أجمع عدد ساعات هذا العام أنا متأكد بأني أهدرت 20٪ منها في مطاردة خالد ومغامراته غير المحسوبة، لكن .. ورغم ذلك فهو سيد البهجة وواليها، إذا ضحك تضحك كل الدنيا في وجهك، فهد ويارا كان التحدي معهما متعباً في حضور الحصص الدراسية (أونلاين) .. مطاردات لا تنتهي تحملتها مشكورة – أمهم – التي أدين لها بالفضل في كل شيء خلال هذه السنة الصعبة، يكبر فهد أسرع مما أتوقع بشكل يخيفني ، أما يارا فمازلت أقول محظوظ من سيظفر بها كزوجة .. 

أكتب هذه الأسطر في الاستراحة – للمرة الأولى – وسط ضجيج الأصدقاء وهم يلعبون البلوت التي لا ناقة لي فيها ولا جمل .. قد يكون أكبر محاسنها أن أعود وأفتح جهازي لأصافحكم هنا بعد غياب طويل 

عباس .. الأمل في الطرب

لا أصنّف نفسي خبيراً في الطرب والموسيقى، لكن ما أعلمه وتقوله لي ذائقتي بأننا نعيش أسوأ عصور الطرب والغناء، رغم أن الأصوات التي كانت تطربنا قبل عشرين عاماً مازالت تعيش وتنتج وتغني وتحيي حفلات، إلا أن الأغاني الجديدة خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة أصبحت بلا لون ولا طعم ولا رائحة.
ولأن الجزء الأكبر من سكان المملكة دون الثلاثين عاماً أو حتى أقل، أصبح المطربون يتجهون لهذه الشريحة ويستهدفونها بأغان ذات كلمات سطحية وألحان سخيفة، كما أن المطربون الآن صاروا أصدقاء ويحيون حفلات موحدة ويغنون من نفس الكتاب ويأخذون ألحاناً من ذات الملحنين ويدارون تحت مظلة شركة واحدة .. وهذا بلاشك أمر سلبي جداً .. لماذا ؟ ..
ببساطة لأن مفهوم التنافس انعدم تماماً، أصبح الجميع سواسية في كل شيء، وبالتالي انعدم التنافس الشريف – وربما غير الشريف – مما أثر على الساحة بشكل كبير، تخيل الحال نفسه ينطبق على مباريات الكرة.. الهلال والنصر يفوزان في كل مباراة وحين يلعبان ضد بعضهما البعض .. هذا يفوز مرة .. والآخر يفوز المرة الأخرى، بينما في واقع الأمر قوة فرقنا المحلية وتجاوزها – ربما بسنوات – حجم الأندية الخليجية التي تملك نفس القدرة المالية هو أن التنافس الكروي داخل السعودية ناري ومشتعل للغاية ..والكل يسهر ليلاً كيف يوقع مع اللاعب الفلاني ويخطف النجم العلاني حتى لا يذهب للمنافس.
عودوا لمقاطع طلال مداح في يوتيوب وهو يتشكى من سرقة محمد عبده للألحان قبل أن تصل إليه، وتأملوا الملحنين العظماء مثل محمد شفيق .. سراج عمر .. سامي إحسان والعبقري عمر كدرس .. وشاهدوا لماذا كانت الألحان في الثمانينات تحديداً رائعة جداً وتمثل مقطوعات موسيقية عالمية (مطلع أغنية صوتك يناديني مثالاً) ، كان الجو تنافسي للغاية، وكل فنان وملحن يسهر الليالي الطوال حتى يظهر بشكل مختلف وجديد وليست أغانٍ مسلوقة كما نسمع في أيامنا هذه، لا أبالغ أنه في وقت الثمانيات تحديداً لم تظهر أغنية سيئة أو فاشلة، كل أغاني طلال ومحمد عبده وعبادي وحتى عبدالمجيد كانت بديعة وتطربك .. قارنها بـ (تفاهات) عبدالمجيد الأخيرة على شاكلة حن الغريب وأمثالها.
أحب محمد عبده كثيراً وربما حين أسمع الأغاني في سيارتي لا أسمع إلا إياه، لكن مقتنع تماماً بأن السنوات العشر الأخيرة أصبح يعيش في دائرة الفشل، أحمد ربي أنه يملك أرشيف فني ضخم فيه مئات الأغاني الجميلة سواء كحفلات أو جلسات خاصة وهو النوع الذي أميل له، عبدالمجيد يكفي أن تعود لألبوماته في الثمانينات وحتى التسعينات لتعيش مع أغنياته عالماً آخر (سيد أهلي، طائر الأشحان، خفيف الدم ..استكثرك، أحبك ليه) وللأسف موهبة عبدالمجيد خسرناها مبكراً لكن لدي إحساس بأنه سيعود لطريقه يوماً .

الوحيد الذي أعلق عليه آمالي هو عباس ابراهيم، وسعيد جداً بأنه لم يقع في ماوقع به الآخرون لاسيما محمد عبده وعبدالمجيد وراشد بل وحتى خالد عبدالرحمن، وللحق كنت لا أفضل سماعه لأنه ظهر في سن صغيرة لا تمكّنه من تحديد طريقه بنفسه .. لكن الآن أعتقد هو أنسب وقت لعودته خاصة بعد أن تجاوز سن الثلاثين واستقرت طبقته الصوتية، والأهم أن لا يسير بنفسه طريق من سبقوه، بل يشق له طريق آخر مختلف وسيكون صوت السعودية الأول ، أما إذا دخل نفس المسار .. فسيكون حتماً مثلهم حتى ولو كان صوته الأجمل.

آملي أخيراً بأن هيئة الموسيقى ووزارة الثقافة بالتحديد تعيد ترتيب أوراق هذا الملف، وكل ثقة بأن الوضع سيتعدل .. لأنه لن يكون أسوأ من الحال الذي نحن فيه .

لماذا أحب (زندور) .. وأتجاهل (راف باور)

لا أفهم في فنون التسويق كثيراً، لكن أعي نقطة واحدة هي أن لا تظهر كثيراً أمام أعين المستهلك حتى لا يملّ منك أو يطفش من كثرة إعلاناتك.
من المؤكد أنكم تملّون مثلي من إعلانات بنوك الطاقة (الباور بانك) بين المؤثرين، في تويتر وسناب شات ويوتيوب وكل مكان، كل يوم هناك عروض وموديلات جديدة وأمور أنت لا تحتاجها فعلاً، في الواقع أن لن تحتاج سوى لجهاز واحد إلا ربما في حال السفر والتنقلات الطويلة.

مع هذا التكرار المؤذي، ينتج لديك ردة فعل سلبية تجاه المنتج، وسمعة لا تتجاوز مفاهيم أن هذا المنتج (مزعج، غير موثوق، أسعاره تتقلب بشكل كبير كل يوم)، ناهيك أن تجد مؤثراً يمنحك كود تخفيض ويشعرك بأن منتجهم الفعلي الذي يعرضونه بالمحلات يخدعونك بسعره، فالمؤثر لديه تخفيض ثم تدخل في حسابات لا أول لها ولا آخر، ناهيك عن المديح المبالغ فيه .. والمديح المبالغ فيه أقرب للذم .

لذلك عندما أجد منتج بجودة عالية، وتسويق هادئ، مثل منتجات زندور مثلاً، أصبح ميالاً لها أكثر، هي الصح وغيرها الخطأ، هي الواثقة من منتجها، وغيرها عكس ذلك، هي التي لا تنتهز الفرص ولا تبحث عن التسويق الرخيص، هي التي أسعارها ثابتة لا لا أكواد هنا وهناك.

الأمر شيئاً فشيئاً يتحول إلى كره كل مايعلنه المؤثرون – ليس كرهاً فيهم بالطبع بل هو من حقهم – لكن لأن العملية تتم بطريقة بدائية تمنح للمؤثر أن يرتجل بمديحٍ مبالغ فيه يوّلد فيك شكاً داخلياً بصدق ماقاله، خاصة مع التكرار شبه اليومي للإعلانات وتكرار نفس المفردات والأفكار لقلة الحيلة.

ملاحظة : هذا ليس إعلاناً لزندور .. إنتا الثاني !

إلى أبنائي مع التحية

أكتب لكم هذه الأسطر في الساعة الثانية من صباح الاثنين 23 مارس2020  ، لا أعلم متى يمكنكم الوصول إلى هذا الموقع وبأي عمر ستقرأونها. وأنا أكتب لكم الآن، نعيش وضعاً لم يسبق أن عشناه، ولولا ماحفظته المواقع الإلكترونية لكم لربما لا تصدقون ما سأقول.
المساجد أغلقت أبوابها،علقت الدراسة، وتوقف الدوام اليومي، وأصبحنا ملازمين لبيوتنا تماشياً مع حملة الوقاية من فيروس كورونا.
عمري 43 عاماً، لم يسبق أن عشت ولو نصف هذه الأجواء الغريبة، بل أن والدي الذي تجاوز الثمانين وعاش في بداية حياته ظروفاً صعبة وقاسية لم يمر عليه يوم بمثل مانعيشه الآن.

منذ إقرار العمل عن بعد وأنا لم أحس بصراحة بالخطر بشكل جلي سوى التأثير الهلعي – إن جازت التسمية – عندما أقرأ الأخبار وأشاهد الفيديوهات والصور وأحوال الدول الموبوءة، لكن يوم أمس كان الوضع مختلف، قررت أنا ووالدتكم شراء الأغراض المنزلية المعتادة من السوبرماركت، اخترنا وقتاً هادئاً قبل منتصف الليل بقليل باعتبار قلة المتبضعين وفراغ الممرات من الازدحام.

لكن وللمرة الأولى يصلني احساس الترقب والهلع في أعين الناس، رغم أننا كدولة وبحمدالله محظوظين بقيادة حكيمة، لكني أقصد الهلع والخوف من العدوى ليس إلا، توزيع القفازات أمام المدخل، والزوار يدخلون وهم يرتدون الكمامات، وأعين الناس عندما تلتقي فيها ألف كلمة وكلمة.
الأشخاص الذي كنت تشاهدهم سابقاً في ممرات الأسواق ويمثلون لك شخصيات غامضة تتجاهل حتى مجرد النظر إليها .. في هذه اللحظة تشعرك عيونهم المرتبكة بأن في داخلهم ألف كلمة وكلمة، وتحس بأنهم أقرب لك من أي وقت مضى.

في هذه الأثناء وأنا أكتب هذه الأسطر، أصدر الملك سلمان حفظه الله أمره بمنع التجول من 7 م وحتى 6 ص ولمدة 21 يوماً.

مالنا إلا أن نقول لقيادتنا دائماً .. سمعاً وطاعة ،،

وأعاننا الله على تجاوز هذه الأيام الصعبة .. 21 يوماً فترة طويلة بلاشك .. لكنهامعركة وسننتصرفيها إن شاء الله

علمتني الحياة: لا تطيل البقاء في عمل واحد

من المفترض أن أكتب هذه الأسطر عندما أتقاعد، كنوع من الخبرات التي أحكي عنها للقادمين إلى سوق العمل، لكني فضلت أن أطرحها الآن لأنه أمر حدث لي وكان قراراً لم أوفق فيه.

منذ أن خرجت على سوق العمل، عملت في مكان واحد وأحببت بيئته بشكل مبالغ فيه، كنت أعمل فيه على فترتين وبساعات عمل أكثر من المطلوب، ومتابعة شؤونه حتى وأنا خارج المقر، رغم العمل الإعلامي بشكل عام يسحرك ويدخلك في شيء أشبه مايكون بالغفوة أو الإغماءة، وربما ساعدني في ذلك وجود شخصيات قيادية – تاريخية – كانت تزيد هذا الشعور حباً وشغفاً بالدعم المعنوي الكبير وحتى بالدعم المادي.
أكثر من عشر سنوات قضيتها في مكان واحد، صحيح بأني كنت أعشقه وتنقلت فيه بعدة أقسام، لكن وبعد الخروج منه لتجربة عمل أخرى أيقنت أن البقاء طوال تلك السنوات في مكان واحد كان أمراً لا أقول بأنه خاطئ حتى لا أبالغ .. ولكن لم يكن قراراً صحيحاً وسأوجز الأسباب في نقاط :
– روتين: أحياناً الروتين يكون أمر جميل متى ما تم وضعه في قالب تنفيذي محفز وإبداعي، لكن البقاء في عمل واحد لسنوات طويلة يدخلك في روتين الآخرين والقياديين بالذات، فمثلاً هم وصلوا لمرحلة أنه (ممتاز لدينا موقع إلكتروني مميز ويستقطب الزوار وشبكات اجتماعية تحدث بالدقيقة .. يكفينا ذلك)، لأنهم يريدون البقاء في دائرة الروتين ولا يفضلون فتح أفق أخطر وأوسع وأكثر إبداعاً .. لماذا لا يكون لدينا عربة نقل مثلاً .. تنقل الأحداث الكبرى وحتى الحوادث المرورية الكبيرة والحرائق الضخمة مباشرة وبمراسل ميداني .. لا لا نريد .. لماذا ؟ لأن متابعة شؤون هذا الأمر يعني المتابعة اللحظية والدقيقة لكل كلمة وصورة، بعكس العمل الصحفي مراجعة بروفات الصفحات وتوقيعها وإجازتها .. ومن ثم (رح لبيتكم ).
– أسير قرار: في يوم من الأيام قررت الإدارة أن لا تنفذ أي حملة تسويقية .. نعم .. لا يوجد تسويق أبداً والمخصص لهذا الأمر (صفررر ريال) رغم سهولة الفرص المتاحة – في ذلك الوقت – ، رغم أني أعمل واقتها في الإعلام الرقمي لكن لك أن تتخيل بأننا لم ننفذ حملة حتى ولو عبر تويتر، فالخبرات التي كانت لدي في هذا الجانب (0) ، ولذلك لكن أكن أتعلم أو أطور نفسي سوى بتنفيذ حملات تسويقية لحسابات أخرى مع أصدقاء أو لجهات أعمل فيها بشكل جانبي أو استشاري، أما عملي الحالي فالميزانية المخصصة لذلك كبيرة بل هي جزء من العمل اليومي تقريباً والمبالغ التي تدفع جيدة جداً وتساعد في البحث والقراءة وتطوير الذات في هذا الجانب لتحقيق أفضل الأهداف، أما لو بقيت في عملي السابق فلربما أبقى حتى اليوم دون تنفيذ حملة تسويقية رقمية ولو بألف ريال.
– زيادة راتب: لن يزيد راتبك بشكل كبير كما تريد في حال بقائك بمكان واحد، ربما زيادة سنوية بسيطة، أو زيادة تعويضية مقبولة في حال رضى عنك مديرك الكبير وترقيت لمنصب أكبر، لكن كزيادة مفصلية في الغالب لن تحدث، لذلك قبولك لعرض جديد وبراتب أعلى يعني أنك ستقبل بعرض جديد بعده – ربما بسنوات قليلة – وبراتب أعلى .. وهكذا، لذلك أدين بالفضل الكبير لمن ساهم في خروجي من عملي السابق والإلتحاق بعمل جديد ومختلف لأنه ساهم بالفعل في تغيير حياتي المادية.
– تحدي جديد ومختلف: مهما تغيرت الإدارات في عملك، في الغالب أنت ستبقى أسير (ستايل الشركة أو المؤسسة)، القطاع الخاص أو الحكومي تقريباً هو أشبه بفرق كرة القدم، مهما تغير المدربون أو رؤساء النادي تستمر شخصيته دون تغيير، فريق ممتع يلعب كرات سريعة وينافس في كل بطولة ومليء بالنجوم، وفريق آخر غثيث لا يمتع ولا يقدم كرة تعجبك، وفريق ثالث يلف ويدور في نفس مركز الرابع أو الخامس طوال سنوات. هكذا هي الحياة فعلاً، إلا في حضور شخصية قيادية (قيادية فعلاً وهم ندرة) يقلبون المكان رأساً على عقب ويطورون العمل بشكل كبير. لذلك أنت في بقائك سنوات طويلة بنفس المكان يخفف كثيراً من درجة التحدي والإثارة العملية التي لن تجدها إلا في موقع آخر .. طريقة عمل مختلفة، اسلوب تنفيذ بفكر آخر تماماً ، وهذه لها (لذة) خاصة في حياتك العملية خاصة إذا ما ارتبطت بإنجاز .
– غير حياتك: مشوار مختلف، مكاتب مختلفة، زملاء جدد، حتى طعم القهوة يتغير، البقاء في فلك واحد طوال سنوات طوال، يعني بأنك ستعيش في تكرار دائم، ووالله أن نفس (التعليق الساخر) أو كما نقول (الذبة) التي أسمعها من مكتب مجاور استمرت من أول يوم عملت فيه ولربما حتى آخر يوم ..

كلامي أعلاه ليس قاعدة أتبناها، ولكنها وجهة نظر .. لربما أنت تعمل في المكان الحلم أو الذي ترتاح نفسك فيه وتجد فيه كل التحديات التي ترجوها .. والدعم المعنوي الكبير وقبله الفائدة المادية، والدعم بالتطوير بالدورات والدعوات لحضور الأحداث الكبرى والهامة .. والمميزات التي قد لا تجدها في مكان آخر.

وداعاً عادل حجر

لست سعيداً بأن أعود للمدونة في كل مرة أودع فيها أحداً، بدأت الكتابة هنا قبل خمسة عشر عاماً ، غلبت على مواضيعي البساطة، لم أفضل يوماً أن أناقش قضايا جدية، كل مارجوته أن أسجل وأدون قصصي وأفكار وتعليقاتي.
مع تجاوزي الأربعين، بدأت ألجأ للمدونة للفضفضة والتعبير عن مافي داخلي، ها أنا اليوم أودع شخصاً كان أحد المؤثرين على مسيرتي، ربما لا يعلم أبناؤه أو أفراد عائلته حجم تأثيره، كل مايعرفونه بأنه مخرج صحفي يعمل في جريدة الرياض – مكان عملي السابق -.
عادل حجر، مدرسة فنون متنقلة، في خطواتي الصحافية الأولى كنت أعتقد بأن الصحافة مجرد كلمات تصف عبر مواضيع أو مقالات تختزل مهارتك العملية في إيصالها للقارئ، لكن بعد أن اقتربت من عادل حجر الذي انتقل إلى رحمة الله أمس في السودان تعلمت بأن الصحافة فنون جميلة فعلاً حتى ولو كان موضوعك سطحياً.
كل ذكرياتي معه تتركز في بداية عملي، وظيفتي البسيطة عام 2000 تحتم علي السهر حتى الفجر في قسم الانترنت لنشر الموقع الإلكتروني، أحياناً كنا مدمنين في العمل ولا نخرج إلا مع ظهور أشعة الشمس، كانت الشوارع تزدحم بالطلاب والموظفين بينما نحن نتجه لمنازلنا بعد نهاية يوم عملٍ متعب.
كنت ألحظ هذا المخرج السوداني يسهر على جهازه مبحراً في مواقع الصحف العالمية باحثاً عن كل ماهو جديد في عالم الإخراج الصحفي وتقليده أحياناً، صحيح أنك ستقول بأن العمل في جريدة الرياض التي اشتهرت برصانتها في الإخراج والتبويب الصحفي بشكل يقيد عمل المخرج، إلا أن عادل حجر هو الوحيد الذي يقفز فوق الخطوط الإخراجية ويتنقل مثل الفراشة بين اسلوب صحافي وآخر ، كنت أجلس بجانبه أتعلم الفروقات في بناء الكتل النصية وتوزيع ثقلها في الصفحة، كان مدهشاً وهو يفتح لي أبواب جديداً في برامج التصميم، كان يتشكى لي أحياناً بأنه مديره يعطيه أسوأ الصفحات التي لا يمكن الإبداع فيها – مثل صفحة الزواجات – ، ويعتبر ذلك أمراً متعمداً كي لا يبرز – على حد تعبيره – .
تدرجت في العمل حتى أصبحت محرراً، ثم كانت لي صفحتي الأسبوعية التي أركض بها مثل الطفل في قسم الانتاج، أؤخر تسليمها متعمداً حتى ينتهي عادل حجر من صفحاته وأقفز إليه مترقباً كيف سيحول نصوصي المتواضعة إلى صفحة يحكي عنها القاصي قبل الداني.
عادل حجر مثله مثل يوسف الثنيان، شخص مزاجي جداً ومبدع ولا يهتم لأحد، يخرج الصفحة كما يريد هو – وليس كما يريد المحرر – وكان الجدل بيننا يرتفع أحياناً لأنه يفرض رأيه علي، يقول هذه المادة هي المادة الرئيسة وهذي المادة سطحية لا تستحق حتى النشر بصورة، هذه قصيرة طولها وهذه طويلة اختصر منها .. وهكذا حتى ينتهي الجدل اللذيذ.
يعشق تجاوز الخطوط التقليدية وكم من مرة نفذنا الصفحة برغبته ثم نقوم بطباعة – بروفة الصفحة – لإجازتها من المسؤول كما يريد المسؤول، بينما – وهذا كان سرنا – كانت الصفحة التي ترسل للمطبعة مختلفة، هذه المراوغات كان يعشقها بشكل جنوني، كان يقول لي إذا المسؤول اكتشف لاحقاً التغيير فإن الصفحة سيضيع دمها بين القبائل، لأن الجريدة تضم عشرات المنفذين.
كل ما بقي في ذاكرتي رسائله الصباحية – بعد نشر العدد – .. يسألني كم خصموا من مرتبي ومرتبه .. وفي الغالب ننجو من ذلك إلا من بضع تعليقات قاسية أحياناً بأن لا نتجاوز خطوط الجريدة التقليدية.
رحم الله عادل حجر، بعد كل هذه السنوات وتخصصي أكثر في الإعلام الرقمي وغيابي عن عالم الورق إلا أني مازلت أستطعم لذاذة الإخراج الصحفي في كل مرة تقع عيني على صحيفة، أتأمل أركانها وزواياها كما تعلمتها من عادل حجر، إلى وقت قريب عندما علمت بخروجه من جريدة الرياض أفكر بأن أحادثه لينضم معي في الرياضية  خاصة وأن أفكار إخراجها للصفحات يشابه الفكر الذي يؤمن به ويعشقه .. لكن تأجيلي لهذا التواصل حال بيني وبين ذلك.
كل ما أرجوه أن يقرأ أبناء عادل حجر هذه الأسطر، لأن أباهم كان شخصاً استثنائياً يحبه الجميع ويتهافت على العمل معه كل المحررين، ويستلطفون روحه المرحة وتعليقاته الطريفة وشرحه للعادات السودانية الجميلة.