رحلت .. دون أن تذوق حزني

الطاهرة النقية، منذ أن أبصرت عيناي الحياة كنت أسمع دعائها المعتاد لي أو لإخواني (جعلي ما أذوق حزنك)، في صغري لم أكن أدقق في المفردات والأدعية، لكن الحياة أحياناً تجبرك على التوقف أمام جمل أو كلمات كنت تسمعها بطريقة روتينية .. ولكن وكأنها رسالة تهزك لتقول لك يوماً .. دقق في ما تقوله والدتك.

لن أبالغ ولكن لأقول بأنني كنت أرى أمي سبقت مثيلاتها في حبها للحياة وأبنائها، لم تدرس في الخارج أو تتعلم تعليماً متقدماً، لكن وعيها واهتمامها لم يكن يمنحها روح المرأة التقليدية على الإطلاق، في مرحلتي الإبتدائية مثلاً لم أخرج يوماً دون أن تشرف على ملابسي وترتيب كتبي لأكون جاهزاً 100% بما في ذلك تنسيق شعري وملئ وجهي بالكريمات أيام البرد، كان مشهد الأمهات في المسلسلات الغربية دارجاً وهن يودعن أبنائهن لدى ركوبهم الباص للمدرسة، أمي التقليدية كانت تقوم بذلك طوال سنوات ست قضيتها في المرحلة الإبتدائية وكنت أرافق فيها شقيقتي مشياً للمدرسة القريبة، كانت مشهدها اليومي بأن تتابعنا حتى نتجاوز مدى عينيها ثم تغلق الباب مطمئنة، أقول هذا الكلام في وقت الثمانينات الميلادية وقت كانت تعيش فيه الأسر في الرياض حياة تقليدية بحتة لكنها .. كانت مختلفة، في وقت كنت أسمع لزملائي في المدرسة كيف أن دور أمهم فقط هو إيقاظهم من النوم.

مشهد الإختبارات يستحق أن أكتب عنه رواية كاملة، أمي الغالية كانت تصاحبنا باستمرار وتتنقل من غرفة لأخرى، وأذكر أنها كانت تصحينا في وقت الفجر للمراجعة ولحبها الكبير وحرصها كانت تجلس بجانبي وأنا أذاكر، كنت أقول لها نامي واتركيني أراجع، لكنها تخشى أن أغفو دون أن أنهي المراجعة، تخيل هذا المشهد ونحن نعيش وقت اختبارات لأربعة أخوة ربما في وقت واحد، كانت مثل النحلة تتنقل هنا وهناك وأحياناً لا تعود للنوم حتى نرجع من الاختبار قرابة العاشرة صباحاً لتعرف إنطباعنا عن الإجابات، وكان لها قياس من نوع آخر، فهي تدقق في ملامح وجهي وقت الدخول وتعرف مقدار إجابتي بحدسها .. وكانت في الغالب قادرة على ذلك.

وأنا بعمر الثامنة تقريباً أدركت تماماً بأنها مختلفة عن كل الأمهات، كنا في منتزه الخيمة الترفيهي وحدث أن أصيب طفل بقربنا إصابة بسيطة، تفاجئت حينها بامتعاض السيدات من عدم وجود إسعاف داخل المنتزه، الحل بالطبع كان في والدتي، أخرجت أشبه مايكون بشنطة إسعافات أولية بحقيبتها الشخصية وعالجت جرح الطفل، مئات السيدات بقربنا يحملن حقائبهن ولكن واحدة فقط كان لديها وعياً بأن تحمل علاجات أولية للجروح ونحوه، كان مشهداً يبعث الفخر وأنا بقربها والنساء يترقبنها معتقدين بأنها طبيبة.

متميزة .. نعم ، مختلفة عن الأخريات .. نعم، مبتسمة دوماً .. نعم ، مصلية ساجدة عابدة كل مرة أدخل فيها المنزل .. نعم ..، لذلك كنت أشعر بتميز لأنني ابن لموضي ..

 

في أيام عزائها كانت شقيقتي تحكي لي كيف أن جامع الملك خالد (الذي وافق ذلك اليوم عدم وجود أي جنازة سواها) .. وكأنها رسالة من الله بأن يكون دعاء مئات المصلين مخصصٌ لها، كان الجزء الخاص بالنساء ممتلئاً بعشرات لا يعرفهن ولكن سمعتها وحب الآخرين لها أجبرهن على الحضور ، بل أن أيام العزاء الثلاثة كنا نطلب فيها مزيد من الكراسي أكثر وأكثر نظراً لكثرة المعزيات بهم، إن الله إذا أحب عبداً نادى جبرائيل إني أحب فلاناً فأحبه ، ثم ينادي جبرائيل في أهل السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه ، ثم توضع له المحبة في الأرض. فيحبه أولياء الله ، وأهل طاعته.

 

جعلي ما أذوق حزنك .. كانت أشبه بتحدي كل مرة أزورها خاصة بعد زواجي واستقلالي في منزل آخر، يجب أن لا ترى حزني – إن كان هناك حزن – ، تقبل الله دعائها بأن قيض الله بأن تعيش في كنف أسرة سعيدة .. عاشت مع أبنائها وبناتها أجمل الأيام، ورأت أحفادها وهم يتزايدون كل عام، أحبت الجميع وفرحت لفرحهم .. عاشت سعيدة وودعتنا دون أن تذوق حزناً .. لكننا نحن من ذاق الحزن يا أمي .