بكاء المواويل ودموع بغداد

بغداد تبكي والبصرة تصيح .. أنهار الحزن تسيل في أزقة السامرية والنجف ونينوى ، لايوجد شعب يولد وهو يبكي حتى يموت سوى العراقيون ، سنوات طويلة من الحروب والتشرد والاضطهاد والقمع ليس في الغزو الأمريكي فحسب .. بل وقبل سنوات طوال حتى التي تلت الخلافات الأموية والعباسية .

على الأقل خلال السنوات الثلاثين الماضية .. تأملوا كيف لبلد تمتلك آباراً ضخمة من النفط ونهرين يشقان البلاد كفيلين بتوفير نهضة زراعية لا تقارن ، ولكن هذه البلد المليئة بالطيبين كتب لها أن تعيش تحت رحمة مجرمين دكتاتوريين كحال صدام حسين الذي مارس القمع على شعبه مع بداية حكمه .. ثم أدخل البلاد في حرب طويلة مع إيران .. وبعدها بسنتين ارتكب حماقة الكويت .. ثم دخل البلد في سنوات من الحرمان مع الحصار .. حتى أتى الغزاة الأمريكيون يزيدون من الهم والإرهاب .
هذه الأجواء جعلت العراقيين يعيشون في حزن دائم انعكس على فنهم وطربهم وشعرهم ، وميز فناني هذا البلد الجميل عن البقية فيما يسمى بـ ( المواويل ) .. وأضحى الموال العراقي مطلباً دائماً لمن يود أن ينهل من معين ابداع دجلة والفرات ولمن يود أن يحلق في سماء الكلمة الشعبية العراقية ذات المفردات الرائعة .. ومن يود أن يطرب لصوت شجي يحلق في الآفاق وهو يردد ( يمه يااا يمه )
بما لامجال للشك ، لا يمكن لأحد أن يطلق العنان لصوته بموال يخترق العالم بأسره سوى أبناء العراق المبدعين الذين يسحرون بكلمتهم وبصوتهم .
استمع لناظم الغزالي وهو يقدم ماتحمله كلمة (الفن المحترم) .. وتأمل كيف نقل القيصر كاظم الصوت العراقي لكل العالم .. وشاهد الرجل البسيط جدا ( سعدون جابر) وهو يغني أمام المايك دون حتى أن يمرر المشط على شعره المجعد .. كان يغني ويرفع صوته لعشاق الصوت فقط .
مع هذه المواويل ستنتقل إلى عالم آخر .. تنسى ماحولك وتعيش في خيالك الذي صنعه الشاعر بكلمات مليئة بالحزن والبكاء .. وربما تبكي أحيانا … وربما دائماً ، كما أن مايميز الفن العراقي أنك لا يمكن أن تستمتع لصوت نشار سوى من ظهر في الآونة الأخيرة من مطربي الشركات المادية الروتانية وهذه لاتدخل في الحسبة نهائياً .
مع كل موال هناك دمعة تسكب في مكان ما بالعالم .. ومع كل موال هناك من يترك مافيه يده ويغمض عينيه ليوفر لأذنه كل سبل الاستماع .. ومع كل موال هناك من يقوم ليصفق تقديراً للابداع .. ومع كل موال هناك من تزيد جروحه وتكثر آهاته .
من أحلامي التي أتمنى تتحقق في يوم من الأيام .. أنا أمشي في شوارع بغداد القديمة .. وأجول في أزقة الرمادي .. وأبحث في شوارع الدجيل الضيقة بحثاً عن قهوة قديمة .. وأتوقف عند محل قديم في الموصل لأستمع لموال قديم شجي ينشده البائع العجوز ..
بغداد .. ذهب حزن وبقيت أحزانا
من قصيدة جميلة للشاعر عبدالرازق عبدالواحد :
سلام على بغدادَ …. طال اكتِئابُها
وبالله دوما صَبـرُها واحـتِـسـابُها
فـما بال ُدار إن لـهَجْتَ بِمَدحِها
سَيَعلو على الثـغْر البـسيم انـتِحابُها !

من المواويل العراقية :
* أٌقول وقد ناحت بقربي حمامة
* أبوس روحك
* حيرتني
* يعملني زماني
* دمعة

11 فكرة على ”بكاء المواويل ودموع بغداد

  1. صباح الخير ‎ ‎‎‎(f‎)‎

    اثرت شجوني .. فأنا من عشاق الفن العراقي ..
    بالفعل الحزن الأزلي طبع العراقيين بطابع يجعل اصواتهم حزينة حتى في وقت الفرح ..
    لكن اريد ان ألفت نظرك لأمر آخر يجعل طابع الفن العراقي حزين وهو وجود الشيعة في العراق (فبكاء الشيعة عليآ والحسين رضي الله عنهما له تأثير ) فإذا استمعت إلى بكائيات الشيعة على آل البيت ستلاحظ ان المواويل العراقية لها نفس الروح
    بالتأكيد الفنانين ليسو كلهم شيعة وانما اقصد ان تأثير البيئة له الدور الأكبر خصوصا إذا عرفت ان الفنان كاظم سني وأمه شيعية هنا تعرف ان الاحتكاك (بين السنة والشيعة) له الدور الأكبر في شيوع الحزن

    وبالتأكيد أنت تعلم أن الشيعة بدأوا بكائياتهم منذ العصر العباسي وهي بكائيات تقطر حزنآ وأسى (والدولة العباسية سقطت عام ٦٥٦ ونحن الآن في ١٤٢٨ وعليك حساب مدى التأثير!)

    شيء آخر عن الحزن يقول الفنان العراقي (ياس خضر) : العراقيون ليسو في طبيعتهم حزانى بل هم فرحين ويحولون مآسيهم إلى أفراح
    وذكر قصة له خلال الحرب الايرانية : ان الاذاعة كانت تطلب من الفنانين الغناء للرئيس وللبلد .. والاذاعة في ذلك الوقت لم تكن تبث إلا الأغاني الوطنية في تمجيد صدام وقال: ان الشارع العراقي كان يحول الأغنية الوطنية الى اغنية حب وينسى انها للرئيس لأن العراقيين يحبون الفرح فهم يصنعونه
    (هذا الكلام سمعته من اذاعة قطر في مهرجان الدوحة الأخير)
    لفت انتباهي أنك لم تذكر ياس خضر مع ناظم وسعدون وكاظم مع أن صوته من الأصوات القوية وللأسف من الصعب الغناء بنفس طريقته فعندما أدندن إحدى أغنياته أشعر بأنني أفسد اللحن لذا أصمت وأكتفي بالاستماع والدندنة الصامتة حتى لا أنشز !

    هل تتمنى الذهاب للعراق؟!
    آه .. لست وحدك أخي من يتمنى ان يتمشى في أحياء بغداد والبصرة وبقية مدن العراق ..
    هل قرأت موعد في بغداد لأجاثا كريستي؟ هذه الرواية هي من جعلتني أحن لبغداد
    هي كتبتها في وقت الحرب الباردة يوم كانت بغداد كبقية العواصم مليئة بالجواسيس الا انها متعة للنظر (يكفي أن عاشق التدمير لم يكن يحكمها آنذاك)
    ربما لو قرأتها (أو ربما تكون قد قرأتها!) فستزيد من حنينك لأرض الرشيد!

    شكرآ أخي أحمد 🙂

  2. أولاً … الله يعظّم أجر الشعب العراقي … ” شعب يولد وَ يموت على البكاء ”
    ثانياً … مما زادني حزنناً بعد استماعي للمواويل هو ما ذكرته في المقدمة … ” الله يهديك ضاق صدري ”
    ثالثاً … حلم يراود الجميع أن يكون يوم من الأيام بين أحضان نهر دجلة وَ الفرات وَ ” الدلم * ” يتأرجح به يمنة وَ يسرى وَ أن يتناول أفضل أنواع الأسماك المطبوخة على الطريقة العراقية ” يااااا سلاااااااااام ” … اظن أنني استرسلت في الحلم … لكن هل يمكن للعراق أن تكون يوماً من الأيام كما حلمنا بها

    * الدلم : قارب خشبي صغير
    دمت بود

  3. يقول ليـان:

    أقول وقد ناحت بقربي حمامة
    أيا جارتا لو تشعرين بحالــي
    ما عذا الهوى ما ذقتي طارقة النوى
    ولا خطـرت منك الهموم ببــالـي

    وووهـ ع الموالات العراقية فيها حزن غير طبيعي بالكلمات والألحان 😦
    وأكيد ظروفهم كان لها اثر بهالحزن .. الحين الفن عندهم خلاص شبه اندثر.
    بس مازالنا نستمتع بـ أصواتهم وخااااااصة ناظم الغزالي
    أبدعت يـ احمد بالسرد عنهم …وربي يعيينهم ويصبرهم

  4. صدقت الفنانين العراقييـن إذا استمعت لهم خاصة في الأغاني التي تغلب عليها الحزن تلتمـس من صوته الحزن والمعاناة 😦 ..

    يالسميْ اسمع ( البارحة ) موال من روائع القيصر 🙂 …

  5. يقول ميسي:

    انا لااوافقك فكل انسان يولد باكيا وهذا الانسان سيكون شعبا بالتكاثر،،،صحيح حال شعب العراق محزن ،ولكن لاحظ معي منذ العصر العباسي وهم يلهثون وراء الدموع والحزن بسبب الثروة والنفوذ،،الاخ يقتل اخيه بسبب اختلاف طائفي أو مذهبي أوماشابه ،صحيح غناء الفنانين فيه الكثير من الحزن ولكنهم بالمقابل مرفهون جدا مقارنة مع من يعيش داخل معمعة الحرب ،،وبالمقابل ايضا هناك الجانب الاخر السييء الذي يعطيك “الفرح”””كالبرتقالة مثلا””ثم ان المواوبل مجبولة بالحزن بغض النظر عن الشعب او الدولة،،وليس كل من غنى او شدى بموال حزين ،..

  6. ريم :
    هلا بك اخت ريم ..
    ردك اضافة للموضوع – ماشاء الله – وفيه معلومات قيمة ..
    صحيح كلامك بتأثير الشيعة والبكائيات على الفن العراقي بشكل عام وهذا يظهر في المواويل باللهجة العامية حيث يظهر جزء منها مقارب للألحان الشيعية ..

    ياس خضر بلاشك مايحتاج إلى تعريف وكنت قد وضعته مسبقا لكن لم أجد صورة – بدقة جيدة – حتى اضيفها للصور أعلاه ..

    اشكرك اخت ريم مرة ثانية على هالاضافة

    light : الحلم سيتحقق بإذن الله في غضون سنوات قليلة .. أنا متأكد بأن الغزاة لن يجلسوا سوى سنوات قليلة

    ليان :
    لا بالعكس الفن الراقي لم يندثر في العراق .. لكن الإشكالية أن القفزة الفضائية والروتانية ألقت بسلبياتها على الفن العراقي .. لكن يمكنك مشاهدة القنوات العراقية وسماع الطرب الحقيقي الآن ..

    أحمد الشمراني :
    البارحة لكاظم لم أسمعها حتى الآن .. سأبحث عنها وأخبرك برأيي 🙂

    ميسي :
    وجهة نظرك واحترمها .. لكن ماذا تقصد بأنهم يعيشون مرفهون ؟

    البرتقالة والأغاني التي تشببها هي نتاج مرحلة تمر على كل العالم بما فيه العالم العربي وذلك لانتشار القنوات الفضائية وتنافسها في استقطاب اكبر قدر من المشاهدين بأغاني هابطة مليئة بمشاهد الرقص .. بل حتى أن مطرب البرتقالة نفسه لديه رصيد رائع من المواويل المميزة قبل أن ينتقل للعيش في دبي – وينهبل –

  7. أخي أحمد … آثار الحرب من يزيلها ؟ … سماءها متى تصفو ؟ … مياءها متى تنقى ؟ …

    أسئلة قد تحتاج فترة وَ زمن للإجابة عليها …

    دمت بود

  8. يقول ميسي:

    عفوا منك ،،اقصد مرفهين يعني بعيدين تماما عن الاحداث والقتل الحادث في العراق ،فمهما تفاعلوا مع الناس لن يكونوا كالقابض على الجمر بيديه ،

  9. قلبهم علي اللجمات اقوي من الصخر
    هذي هم العراقيين
    دائم تتكلم علي الغناء بشكل مميز اذكر مقالك عن رحلتك الرايقه مع محمد عبدو -وحديثك بمره عن ام كلثوم بأحد رحلاتك
    دائما اذكر ما قلته انت هنا
    لو كان هناك بلد يملك ما يملكه العراق لما كان حاله كما هو حال العراق
    نفط -ارض خصبه-نهرين -تراث واثار كفيل بجعله وجهه للسياح-تنوع اعراق واديان
    من يملك كل ذلك في وطننا العربي ؟؟؟

  10. يقول عراقيه:

    انا على طول ابكي وشكرا والله وكل عراقي ابوس اترابه

  11. يقول صالح:

    ياس خضر يوجد له صور بدقه عاليه وهو فنان لا ينسى ودكره موجود عند دكر الفن العراقي فكيف لا وهو مطرب العراق الاول

التعليقات مغلقة.