العودة إلى كاليفورنيا سائحاً


الذكرى أمرٌ محير، تأسرك حيناً بلا موعد وتجرك إلى لحظات سابقة وكأن هناك من يحاول سحبك لتذكر كل لحظة وكل ثانية، وحيناً تحاصرك من كل الاتجاهات وتدعوك للبقايا على أحداث كنت تعتقد بأنها تافهة .. بسيطة لكنها تحولت إلى لحظات عميقة لن تتكرر.

أكتب هذه الأسطر من ولاية كاليفورنيا وتحديداً من البلدة التي قضيت فيها نصف عامٍ من سنة 2009، لقد جرتني المدينة جراً وسحبتني (على وجهي) حتى عدت إليها بعد نحو 11 شهراً و20 يوماً فقط .. لم أكمل العام بعد من الرحيل عنها.

علمتني الحياة بأن الذكريات الجميلة لها وقع السحر وها أنا ذا أنكوي بنارها، عندما عدت من رحلتي السابقة وما أن وطئت قدمي مطار الرياض حتى أعلنت الرهان بأني سأعود إلى مدينتي التي شعرت فيها للمرة الأولى بقيمتي كانسان.

عدت هذه المرة وقد تغيرت الأحوال، ترافقني زوجة وبزيارة محدودة قد لا تتجاوز الشهر خططت فيها للتجول في الولاية بأكملها، عدت هذه المرة وزملاء الدراسة في البلدة الجميلة قد تفرقوا وتشتت (دمهم) بين الولايات شرقاً وغرباً، عدت وأنا أصنف كسائح لا كعاشق(شرعي) لبلدة حالمة صغيرة تبتسم لكل من يطأ شوارعها وشاطئها ومطاعمها ومقاهيها.

عدت وأنا أقرأ كتاب الملهم الأكبر غازي القصيبي والذي حمل عنوان هذه التدوينة وحكى فيها شعوره بعد أن عاد إلى كاليفورنيا سائحاً لا طالباً وبرفقة زوجته وابنائه، ها أنا أعيش نفس (السيناريو) ولكن بلا أبناء.

أكتب هذه الأسطر بعد أن قارب يومي الأول فيها على الانتهاء، ولأكن صادقاً معكم لم أصدق أبداً بأن الفراق بين العاشق ومحبوبته بلغ حولاً كاملاً، وأنا أسير في الشارع الرئيس أحسست بأني كأني موجودٌ بها بالأمس، زوجتي كان تعلق بقولها (ربما قلبك لا زال يعيش فيها بينما جسدك وعقلك عادا للرياض)، لكني وفي كل ساعة كنت أقول (أحس بأني في الأمس أكلت في هذا المطعم، وشربت القهوة في هذا المقهى، بل أن هذا المحل قد دخلته ربما قبل يومين ..) شعور حقيقي جداً .. لم أحس أبداً بأني عدت للرياض وتزوجت وانتقلت إلى حياة جديدة ودخلت في معمعة دوام العمل اليومي التي تأكل الأخضر واليابس، صدق الحكيم الذي قال بأن حياته كانت مثل الغرفة التي لها بابان، دخل من الأول وخرج من الثاني.. تذكرت هذه المقولة كناية عن تسارع الأيام حتى أن العام أصبح مثل الاسبوع.

نفس المطاعم .. ونفس الوجوه ، ذات الأجواء وذات الابتسامات، الروح المشرقة والأجساد المليئة بالانسانية، حضور أشبه بالحلم بل هو الحلم ذاته، تعدمت لا أن آتي على ذكر البلدة لأن من يتابعني سيعرفها ولكني قصدت أن أبين الحال ولا أشخصن ما أطرحه.

هذه المشاعر التي أكتبها الآن مليئة بالأوراق المتقلبة والمتداخلة، غدا سأحاول أن أستيقظ مبكراً لأعيش فيها كل الدقائق .. بل كل الثواني، هل كبرت في العمر ؟ ربما لأن العاطفة أصبحت تؤثر بي كثيراً وتتداخل في العديد من مشاعري، هل ستكون هذه الزيارة الأخيرة أم ستكون هناك زيارة أخرى العام المقبل؟ هل ستكون ذات المشاعر أم تخف .. وتغيب ؟

بالغد سأخوض تجربة سأحاول خلالها دخول بعض الأماكن التي تعرفت على البائعين فيها .. هل سيتذكروني طلباتي ؟ وهل ستتذكر البائعة في مطعم الباستا بالركن الصغير طلبي (نو بيكن .. نو بورك) والذي أصبحت تردده بمجرد أن تراني .. ان كان ذلك صحيحاً .. إذن بالفعل كنت هنا بالأمس .. فمن يكون ذلك الشاب القابع في مدينة الاسمنت ويحمل نفس اسمي ؟

تجربتي مع الدايت

 

كل من يتابعني عبر تويتر يعرف بأني أدخل مواجهة من نوع خاص من خلال تخفيف وزني الذي زاد بعد زواجي نحو 13 كلغ واقترب من حاجز المئة وقانا الله وإياكم من تجاوزه.
الآن وزني يقترب من 85 كغم من خلال تنظيم غذائي بدأته مطلع ابريل الماضي أي نحو ثلاثة أشهر ونصف من الآن وأعتقد أني أسير في الطريق الصحيح بعد أن فقدت 13 كغم في ثلاثة أشهر بمعدل 4 كل شهر .. وواحد كل اسبوع ، حيث أن هدفي الأول هو 80 كغم بإذن الله قبل الوصول للوزن المثالي.
أكثر النصائح التي يمكن أن تسمعها قبل خوض تجربة معينة هي نصائح الدايت، فمجرد أن تقول لزملائك بأنك تنوي خفض وزنك حتى تتهافت عليك النصائح من هنا وهناك .. بشكل لا يمكنك من السيطرة عليها حيث أن غالبية ماتسمعه هي أمور متعارضة بشكل جذري مع أمور أخرى .. هناك من يقول لك أكثر من السوائل وآخر يطالب بتقليلها وهكذا تضيع بين مشورة هنا وهناك .
من خلال تجربتي أحببت أن أنقل بعضاً من الملاحظات التي رصدتها بمساعدة متخصص غذائي قدم لي العديد من (الخطط العلمية المدروسة) ومنها :

أولاً – في الرياضة :
– أول قاعدة هي المشي والمشي والمشي ، الرياضة يجب أن تكون جزءاً من حياتك حتى ولو كنت لا تنوي عمل دايت ويأتي على رأسها المشي الذي لا تحتاج فيه إلى أي معونات أو جهود خاصة .. مشي سريع في فترة تقارب 40 – 45 دقيقة يومياً ستغير حياتك للأفضل وأنا هنا أتحدث عن تجربتي الشخصية خلال الأشهر الأربعة الماضية حيث أمشي نحو 40 دقيقة بالإضافة إلى السباحة لفترة لا تزيد على 15 دقائق بشكل يومي، أي أن تواجدي داخل النادي عادة في حدود الساعة يومياً منها اختصاراً للوقت ومنها زيادة الراحة والقبول لزيارة النادي فيما لو كنت أمضي فيه ساعتين مثلا.
– احرص على البيئة المناسبة للرياضة، أتأمل حال كثير من أصدقائي وهم يمشون على الأرصفة وفي الممشى بطريق الملك عبدالله .. لكن هل هذا المكان فعلاً يساعد على ممارسة المشي اليومي ؟ أتقبل أن تكون ممارسة مؤقتة بعد وجبة عشاء ثقيلة مثلا .. أو في حال كان الجو مغرياً، لكن في الواقع أن طقسنا صيفا وشتاءاً سيء جداً ولا يساعد على الانتظام اليومي على الإطلاق، أنا مع الانضمام لأي ناد مناسب يتوفر فيه سير مشي حديث ومسبح ، التكييف عادة ممتاز وثابت طوال العام بالإضافة إلى وجود شاشة تلفزيون أمامك تنسيك هم المشي وتستطيع تقطيع وقتك بمشاهدة أي قناة، ببساطة لن تشعر بجهد الأربعين دقيقة .
– من السلبيات التي لحظتها أن الكثير يمارس رياضات أخرى لاسيما ألعاب الحديد بحجة (شد البطن) وطبقاً لقول الاختصاصي كان يحذرني دائماً من تنمية العضل، من منطلق أننا لا نحتاج إلى زيادة حجم العضل إلا بعد أن نقترب من الوصول إلى الوزن المثالي، كان يركز بشكل دائم على ممارسة المشي السريع والاكتفاء به فقط وفي السباحة لمدة قصيرة مابين 10 الى 15 د.
– لا تستمع إلى نصائح مدربي اللياقة في الأندية، غالبيتهم يتعاملون بالمنشطات بشكل كبير ولا يملكون أي إطلاع أكاديمي على التغذية وتنمية الجسم، كل خبراتهم تواجدهم في النادي لسنوات طويلة وطلب التمرن على هذا الجهاز أو ذاك، كان هذا أول وأفضل درس تعلمته من صاحبي الابتعاد عنهم وإلا فأني في اليوم الأول توجهت لمدرب اللياقة في النادي ووزعني بين أجهزة الحديد (على كيفه) .. على شاكلة الجهاز رقم 4 تمرن فيه 10 دقائق والجهاز رقم 6 سيشد عضلات الفخذ تمرن فيه 8 دقائق وهكذا.
– أكثر من المشي بطريقة غير مباشرة، لو اتجهت لمقهى أو مطعم على سبيل المثال ولم تجد موقفاً قريباً مالذي يمنع الوقوف في نقطة أبعد والمشي ، استخدام الدرج بدلاً عن المصعد ، في الدوام بعد مضي ساعتين على جلوسك مثلا .. خذ لك لفة في الممرات ولو كانت فترة لاتتجاوز 5 دقائق .
– النساء لديهم نعمة السوق والمولات .. لو أحسنوا استغلالها في المشي والتجول لساعات 🙂 بدلاً عن دخول المطاعم والمقاهي والدونات .

ثانياً – الأكل :
– أول قاعدة في عمل الدايت هي التوقف تماماً عن مطاعم (الجنك فود)، سأعطيك مثال سريع يغني عن كل الشرح، عادة متوسط السعرات الحرارية لصاحب الوزن المثالي قد تتراوح بين 1400 الى 2000 ، تخيل أن وجبة برغر واحدة (بلا بطاطس ومشروب) تزيد على 700 سعرة حرارية وبالإمكان البحث في جوجل عن calories fast food وتأمل النماذج المهولة، كما يمكنك مشاهدة فيلم سوبر سايز مي Super Size Me ومشاهدة تأثير تلك الوجبات.
– الدايت ليس معناه أن تعيش في جوع حتى يخف وزنك، كانت أولى السلبيات التي أعتقد بأنها تساهم في تخفيف الوزن هو تجاوز وجبة معينة كالغداء أو العشاء، فمثلاً حينما لا أتناول وجبة الغداء كنت أفرح من منطلق أنني (خففت عن وزني) ولاحقاً علمت بأن أولى خطوات الدايت أن تتناول الوجبات الثلاث ولا تفوت منها أي واحدة، كما كانت هناك وجبات (سناك) يتم تناولها بين الوجبات .. تخيل .
– غير عاداتك الغذائية (ربما تكون فكرة تدوينة خاصة لاحقاً) ، للأسف تربينا على أكل الأرز مثلا والوجبات الدسمة، الآن الحياة تغيرت ويجب أن نساير التغير شئنا أم أبينا، حتى وجبة الرز يجب أن تكون أقل بكثير حتى تعتاد على الكمية القليلة منها (بالعربي شغل اضرب بالخمس انتهى) ، تناول الوجبة ثم النوم مباشرة يجب أن تتغير (خاصة عشاق القيلولة) .. وبالمناسبة هذه مدمرة جداً وهي أحد أسباب تضاعف حجم الكرش.
– أكثر شيء فادني في الأكل هو الإكثار من السلطة والفواكه، أصبحت أتناول السلطة مرتين واحدة قبل الغداء وأخرى قبل العشاء إضافة إلى تناول فاكهة (برتقال – تفاح – كيوي – كمثرى) الأولى بعد الإفطار والثانية بعد وجبة العشاء، والأهم هو تنويع نوع السلطة حتى لا تصاب بالملل من السلطة الخضراء كل يوم مثلا (سلطة تونة – سلطة السيزار – سلطة الذرة والخس .. وغيرها)

نصائح قصيرة :
– أكثر من شرب الماء (إلا لمن لديه إشكاليات صحية) على الأقل ثمان كاسات ماء يومياً أولها يكون على الريق (بشرط أن لا يكون بارداً)
– لا تيأس ولا تمل وأمنح لنفسك فرصة طويلة، أصدقكم القول بأني وصلت لمرحلة اليأس لاسيما عندما وصلت إلى 88 فكأنها نقطة مقاومة مكثت أكثر من 10 أيام دون تغير ، ولا تستعجل على ظهور نتائج أبداً .. عندما تبدأ ضع لنفسك مدى طويل وليكن 4 أشهر مثلاً .
– امنح نفسك مكافأة في نهاية الاسبوع لكسر حاجز الملل، بالنسبة لي أصبحت أتناول وجبة عشاء الجمعة في أحد المطاعم وأطلب ما أشاء على أن لا تتجاوز فترة (كسر الدايت) أكثر من ساعتين فقط .
– من تغيير عاداتك هو التخفيف بشكل كبير عن السكريات والحلويات، فمثلا أنا أحب تمر السكري ولكني أصبحت آكل اثنتين بدلاً من أربع أو خمسات حيث أقسمها إلى نصفين ولا أتناولها بسرعة.
– من المهم جداً أن تغير سرعة الأكل، أقترح الأكل مقابل التلفزيون حتى تنشغل قليلاً .. الأكل البطيء يؤدي للشبع بشكل غير مباشر .
– بحكم عملي المكتبي كنت أشرب ستة أكواب شاي يومياً ! .. ثلاثة في الصباح ومثلها في المساء .. الآن غيرتها إلى النصف ، كما غيرت نسبة السكر بشكل تدريجي من ملعقتي سكر في الكوب الواحد إلى ملعقة ونصف ثم ملعقة .. والآن نصف ملعقة تكفي، بل أستصعب شرب الشاي المليء بالسكر إلا في حالات خاصة كأن أكون متواجد في استراحة مثلا .. هناك يصعب تقديم طلبات خاصة بلا شك .
– ان كنت تهدف لجسم صحي وروح صحية اترك المشروبات الغازية إلا في الحالات الضيقة، استبدلها بالعصائر أو الحليب خالي الدسم الذي أتناوله يومياً مع الأفطار ، كنت في السابق لا أستطعمه أبداً لكن مع مرور الوقت تغير الحال.

(متأكد بأني نسيت الكثير لذلك هذه التدوينة قابلة للتحديث لاحقاً 🙂 ) .

سحر الذكريات الجميلة

 

حالنا غريب مع الذاكرة، أحياناً ينتابني إحساسٌ بأنها تبالغ في عرض تفاصيل الأحداث لدرجة قدرتها على الإبكاء، وأحياناً تحس بأنها تتجاوز بعض التفاصيل الدقيقة التي تتعب في محاولة استرجاعها بلا سبب وكأنها تتقصد أن تغيب عنك تلك التفاصيل.

نشأتي كانت رتيبة ومملة وبلا ذكريات، لذلك لم أتعرف على مفهوم الذكريات الجميلة إلا بعدما عرفت السفر والتنقل من بلد لبلد .. ومن مدينة لأخرى، وأعتقد بأننا في السفر نترك همومنا وأفكارنا البالية ومشاكلنا في أوطاننا ونعتقد بأن إغلاقنا لإجهزتنا الهاتفية يعني أننا انتقلنا إلى عالم آخر، لذلك ترسخ تفاصيل الأحداث الجميلة بالخارج .. الأماكن السياحية المطاعم والفنادق والمقاهي الجميلة.

في بداية رحلاتي كنت حينما أعود من بلدٍ ما أوجه إليه بعض الانتقادات البسيطة، لكني وبعد مرور فترة من الزمن حينما أتأمل الصور التي التقطتها هناك أوقن بأني كنت مجحفاً لأن الذكريات الجميلة أسرتني وجعلتني أمسح كل الأفكار الحزينة، الذكريات الجميلة مثل الفتاة المليحة.. حينما تعجب بها تتناسى كل عيوبها.

كلما تقدمت في السن خاصة حينما تجاوزت سنتي الثلاثين والتي أعتبرها الفارق الأكبر في شخصيتي، أصبحت الذكريات الجميلة أقسى وكأنها تحولت إلى شبح هلامي يحمل مطرقة .. هل يمكن للذكريات أن تبكيك ؟ الآن أقولها نعم إنها تملك قوة جبارة تستطيع أن تسحب دموعك بأدوات خفية حتى تخرج من مقلة عينيك ولو كانت على استحياء .. هذه الذكريات تتغلب دائماً على قوة الرجل وعنفوانه حينما يردد بأن الدموع ليست أمراً يسيراً ولو كانت في مناسبة فقدان قريب أو صديق.

مع مرور السنوات أصبحت أملك بعض الخبرة في التعامل مع الذكريات الجميلة، اقتربت منها أكثر وأكثر حتى يخيل لي أحياناً بأنها إمرأة كبيرة في السن تجلس بجانبنا، في السنوات الثلاث الماضية كنت أركز في المناسبات والسفرات التي كنت أعتقد بأنها ستبقى في الذاكرة، كنت أقول لمن معي (الآن ونحن في قمة سعادتنا .. بعد عودتنا سنتذكر هذه اللحظات الجميلة وسنتحسر عليها .. هذه اللحظة التي أتكلم فيها الآن ستبقى ذكرى سعيدة وسنقول : هل تتذكرون عندما قلت لكم بأننا سنتحسر على هذا الوقت الجميل ) .

تطور الأمر وأصبح البكاء أمراً استباقياً، أصبح الحال وكأنك تريد أن تسبق لحظة الاستمتاع بالذكريات الجميلة ولربما وكأنك تود أن تصيب الذاكرة اللعينة في مقتل .. كأنك ستقول مهلاً الآن سأستمتع بذكرى جميلة أعيشها هذه اللحظة ولا أود أن أتحسر عليها بعد أشهر أو سنوات، هل يمكن أن يتحول الموضوع إلى موضوع خبرة ؟ .. وكأن الحال يحتاج إلى خبرة وتعامل مسبق مع الذكريات الجميلة ؟

هل الذكريات الجميلة تتكرر ؟ .. أقصد لو قصدت مكاناً الآن .. قد عشت فيه ذكريات جميلة رسخت في فكرك ؟ ، بالنسبة لي أنا متيقن بأن الأمر مستحيل إلا في حال أن الرحلة تكررت بنفس التفاصيل .. كأن تقابل نفس الوجوه أو تعيش أحداثاً قريبة من التي عشتها سابقاً .. كأن نقول بأنك درست في مدينة جميلة مع طلاب رائعين .. فيما لو عدت في السنة التي تليها وبقي الأمر على حالها قد أتقبل أن تعيش بذكريات جميلة قريبة من التي عشتها .. لكن في حال تغيرت الأحداث والوجوه وربما الأماكن .. فمن المستحيل أن تعيد الذكريات .. لكن قد تعود بذكريات أخرى ربما لا تكون جميلة.

لذلك هذه الخبرة والسنوات أصبحت الآن أقف في صف من يسافر إلى ذات البلد كل عام، وهو أمرٌ كنت أستهجنه في فترة سابقة كنت أقول بأن العالم مليء بالأماكن الجميلة .. إن كنت حالتك المادية ميسورة لماذا تعود إلى ذات المكان ؟ .. الآن انقلب حالي وأصبحت أقول بأن العودة إلى مكان الذكريات الجميلة هو عين العقل .. لأنك ستريح ذاكرتك وعقلك وقلبك .. قبل جسدك الذي يبحث عن الراحة وعينك التي تبحث عن الأماكن الجميلة.

اليوم أنضممت إلى ركب العائدين إلى الذكريات الجميلة وسأبدأ إجراءات حجزي إلى قريتي الصغيرة المملة (سانتا باربرا) عائداً إليها ربما في يوليو أو اغسطس المقبل .. بحثاً عن الذكريات الجميلة .. سأعود إليها هذه المرة مع زوجتي التي تعتقد بأنني مسحور بتلك البلدة الرتيبة الهادئة وسأعود إليها وزملاء الدراسة الرائعين قد غادروها بعد إنقضائهم من دراسة اللغة .. سأبحث عن الذكريات في كل مطعم ومقهى .. وكل زاوية وشارع .. سأبحث عن الذكريات الجميلة تحت رمال الشاطئ الجميل .. وسأفتش عنها في الغابات المحيطة بها ..

* في مثل هذا اليوم من العام الماضي 2009 وطئت قدمي مطار لوس أنجليس .. ويالها من ذكريات جميلة مبكية .

كيف وصل المسلمون إلى هذا الحال المتردي

عندما كنت أهم بتقديم طلب الرخصة في دائرة الرخص بمدينة سانتا باربرا بكاليفورنيا مايو الماضي كانت المقابلة بعد الاختبار التحريري أمام فتاة أمريكية هادئة الملامح لم تكن ترفع عينيها عن تصحيح الأوراق ومتابعة الطلبات، عندما لمحت اسمي رفعت رأسها وسألتني (أنتَ من السعودية ؟ .. هذا أمر مثير .. لم يسبق لي أن تابعت اصدار رخصة قيادة لسعودي) ، من كان يعمل خلف مكتبها التفتوا جميعاً بشكل كان محرجاً بالنسبة لي، لم أملك سريعة البديهة وقتها حتى أرد، ابتسمت وقلت (جيد .. يمكنك إضافة ذلك لسيرتك الذاتية) ضحتُ بعدها ضحكة صفراء (مثل وجهي) محاولاً ان أجعلها تضحك أيضاً (ضحة مثل وجهها) .. و(أبشركم) .. ضحكت بصوت عال.

قالت : هل ممكن أن أسألك سؤالاً واحداً فقط ..
أجبت : بكل سرور اسألي ماشئت (كنت أعتقد بأنها ستسأل عن ابن لادن أو عن القوانين المشددة في السعودية – كما يرونها – ) ، أخذت ورقة من السلة المجاورة ورسمت لي رسماً بيانياً من خط واحد .. يبدأ من أسفل الورقة ثم يعلو إلى القمة ثم يهوي مرة أخرى إلى أدنى الورقة.
ضحكت وقالت : من المؤكد بأنك لن تعرف ماذا تقصد لكني سأحاول .. ماذا تفهم من ذلك ؟
قلت : حتماً لا يمكنني أن أفهم .. (نداء الشر في داخلي كان يقول وش هالبنت اللي ماصدقت تشوف زين إلا وتحرشت فيه) .. خاصة أني كنت أصف في طابور وخلفي ثلاثة أو أربعة أشخاص .

ردت بسرعة : مايدهشني أن هذا يمثل الاسلام بالنسبة لي .. كان في بدايته مجهولاً وبالكاد كان يمثل شيئاً أمام الآخرين .. بعدها بسنوات قليلة وصلتم إلى القمة وأصبحتم قادة العالم .. والآن عدتم كما كنتم إلى القاع .. وأدنى من القاع أيضاً ..
علقتُ بسرعة : فعلاً هذا ماحدث .. و(وجهي كان يمثل صورة الشخص المندهش من تساؤلها المحرج)..
قالت : أعلم بأنك مستغرب من سؤالي لأني مسيحية وأقرأ كثيراً في التاريخ الاسلامي (لاحظوا أنها تعمل في استقبال رخص المرور)، لكنني عجزت أن أجد الفجوة التي أوصلتكم إلى دول متخلفة (في الحقيقة كانت مؤدبة ولم تقل متخلفة .. استخدمت معنى آخر لكني لم أعد أتذكر التفاصيل تماماً) ثم أضافت .. ماذا حدث لكم ؟
قلت : اممممم هذا سؤال صعب ويحتاج إلى وقت طويل لإجابته .. علقت بذلك وأنا ألتفت إلى الوراء متأملاً الطابور (يعني افهميها .. وافهموها بئا) .
قالت : (أعتقد أنا السبب لديكم بسبب الحكومات، دام أن الحكومات تأخذ منافع ومداخيل الدولة وتصرفها تجاه عدد محدد من الناس فلن تتقدموا ولو خطوة إلى الأمام .. بل قرأت كتاباً يقول بأن رئيس إحدى الدول العربية يأخذ 25% من مجموع الدخل العام له ولاسرته .. )بالنسبة لي صعب علي إكمال النقاش والتفت يميناً ويساراً (خوفاً من أن يسمعنا أحد على الطريقة العربية).

علقت : إذن أنتِ مقتنعة بأن الخلل في الناس وليس في الاسلام ؟
أجابت : صدقني الموضوع يحيرني ..منذ فترة وأنا أقرأ !
بعدها بثوان سألتني عن رخصتي السعودية وقلت لها بأن معي الرخصة القديمة التي لا تتضمن أي ترجمة باللغة الانجليزية طلبتها مني ثم وضعت ملصقاً خلفها يقول (غير مسموح بتداولها في كاليفورنيا) .. تعجبت وقلت لها أنا هنا لاستخراج رخصة كاليفورنية .. رجاء لا تفسدين علي رخصتي السعودية !.
مايثير في الموضوع بأنها منحتني ورقة (رخصة مؤقتة) للقيادة في المدينة حتى تصل الرخصة الرسمية عبر البريد خلال فترة اسبوعين وبلا اختبار عملي !! الذي يخضع له حتى المتقدمين من الأمريكيين .. مديرة المعهد الذي كنت أدرس به لازالت تعتقد بوجود علاقة بيني وبين الفتاة لأنها منحتني الرخصة دون اختبار (سجل عندك واسطتي الثانية في أمريكا)

البارحة كنت أفتش في بعضٍ من أوراقي القديمة ووجدت رخصتي الأمريكية ثم تذكرت هذه المحادثة وجلست أفكر .. فعلاً كيف وصلنا إلى هذا الوضع المتردي فكرياً وأخلاقياً بعدما كنا قادة العالم ومنيري دروبه المظلمة ، هل العيب في الأنظمة أم في الناس .. أو كليهما معاً ؟ .. لماذا أصبحت الدول العربية بؤرة حروب واغتيالات وأفكار سوداوية مظلمة وسطحية في الفكر والثقافة والعلم .. هل هناك نظرة تفاؤل في المستقبل ؟ .. بالنسبة لي نظرتي تشاؤمية على الأقل للعشرين سنة القادمة والتي أعتقد بأن الحال سيكون أسوأ ..

مجتمع يسرق الأموال والفرص

 

إذا أزحنا تصانيف الأديان والمذاهب جانباً، وقسمنا العالم طبقاً لمفهوم (الضمير الداخلي للانسان) لكنا بلا جدال في قائمة الترتيب .. من الأسفل طبعاً ، لا أبالغ كثيراً حينما أتأمل من حولي لأجد أن الغالبية منهم يسرقون الأموال والفرص، وكثيرٌ منهم يسرق عياناً بياناً أمام الملأ..الفرق بأنه لم يسرق من بيت أو بنك بل يسرق من منشاة حكومية أو خاصة.
في المنشأة الخاصة التي أعمل بها شرطاً في العقد يمنع العمل في أي منشأة أخرى وأنه إذا ثبت أن الموظف يعمل في جهة أخرى يعتبر العقد معه لاغياً بشكل مباشر ،غني عن القول بأن هناك العشرات من الموظفين الذين يعملون في المنشأة ويملكون أعمال حكومية أخرى تتيح لهم التسيب والحضور والغياب متى شاؤوا .. ويستلمون في النهاية مرتبين نتيجة ضعف إداري في المنشأتين (الخاصة والحكومية)، حادثة أخرى .. حينما كنت أدرس في الجامعة وبالكاد كانت المكافأة تكفي المتطلبات الشهرية .. كنت ألحظ زملاء (قرويين) جاؤوا من قرى صغيرة خارج الرياض ولفت نظري معدل صرفهم الشهري الكبير قياساً بمستواهم الاجتماعي والمعيشي، اكتشفت لاحقاً أن الكثير منهم كان يسجل اسمه في وظائف حكومية في بلدته الصغيرة ونظراً لغياب الرقيب كانت الرواتب تصرف لهم بشكل أساسي، أحدهم كان مسجل في ثلاث وظائف (في قطاع المجاهدين – مؤذن مسجد – مدرب تنس طاولة في نادي القرية) وجميعها يصرف فيها مكافآت لا تقل عن ثلاثة آلاف ريال شهرياً، حالة أخرى .. قريب يعمل في وزارة (كبرى) يصرف له الانتداب الخارجي بواقع لا يقل عن 1000 ريال يومياً بينما هو لم يسافر وينام حتى الظهر في بيته، هو مسجل لدى إدارة عمله بأنه منتدب ويشارك في مؤتمر .. الخ !
هل أعطيكم مزيداً من الأمثلة ؟ يذكر لي صديق (قريب جدا) أن موظفاً جاء إلى إدارة كبرى في منشأته وبدأ في فتح مجال التوظيف بشكل كبير خلال فترة قصيرة، تجاوز عدد الموظفين الجدد عشرة موظفين .. ستة منهم يرتبطون بقرابة مباشرة مع المدير الجديد .. وقرابة من الدرجة الأولى أيضاً !

هذه الأمثلة الا تعد سرقة ؟ ألا تعد (مال حرام) ؟ .. طبعا ماذكرته هو مجرد أمثلة قليلة، هناك المئات من الأمثلة التي لا أول لها ولا آخر تجعل مجرد التأمل في مجتمع كهذا تجعلك تنظر بنظرة مليئة بالتشاؤم .. والحقد أيضاً، كيف يفكر هؤلاء وكيف يهنأون بالعيش في سلام، كثير من الناس تعتمد على الفعل الخارجي مثل صاحبنا في العمل الذي يعد أحد أكثر الشخصيات التي تملك علاقات نسائية وسفرات إلى أماكن معينة (خارج الخليج) لكنه هو أكثر من ينادي وقت الصلاة (صلاة صلاة ! ) ، أتأمله دائماً وأقول في نفسي هذا الرجل يجسد بالفعل واقع مجتمعنا بكل ماتحمله الكلمة من معنى، تذكرني أيضاً بالشخص الذي يقدم خمسون ريال لمدعي التسول أمام إشارة المرور بينما هو يقود سيارة صرفت له من جهة عمله للتنقلات التي يستدعيها العمل وليس العائلة، تذكرني بصديقي الذي تمتلئ سيارته ببطاقات البنزين المجانية التي يهديها له والده الذي تقدم له جهة عمله الكوبونات المجانية (لزوم العمل) لكنه يصرفها على ابنائه .. أقول تخيلوا صديقي هذا وهو يعتذر مني عدم تشغيل راديو السيارة بحجة أن (الأغاني حرام) في نفس الوقت الذي يقدم للعامل الكوبون المجاني للبنزين ، تذكرني بالكاتب الذي يدعو للقيم الاسلامية و**** الراقية وحينما بلغ أعلى المناصب بدأ بالمشاركة في ترسية المشاريع الواحدة تلو الأخرى على شركات يملك فيها أسهماً .

في سنوات سابقة وخاصة في فترة المراهقة كنت أحلم بأن أكون شخصاً ثرياً يحقق أحلامه نهار اليوم التالي، ولكني اليوم أملك يقيناً بأن كثير من الأثرياء يصنفون من الفئة (أعلاه) إلا من رحم ربي، لذلك أقول تباً للثروة وتباً للملايين إن كانت ستحيلني لأشخاص مثل هؤلاء !

ملاحظة (طايح في الملاحظات وش رايكم 🙂 : أكتب هذه التدوينة ودرجة حرارتي تقترب من الأربعين .. لذلك أعلن عن أني غير مسؤول عن أي كلمة وردت أعلاه !

– من زمان الطرب الجميل : http://www.youtube.com/watch?v=7u4UAwZcbO8&feature=related

علماء يحبون الضجيج

 

نشأنا وقرأنا أن العالِم كالشمعة يحترق من أجل أن يضيء الطريق للآخرين، وتعلمنا بأن العالِم يكرس جهده وعلمه وطاقته من أجل تقديم شيء للأمة وليس لوطنه فحسب، وأن العالم لا يبحث عن مجدٍ شخصي أو جاه أو تقرب من مسؤول .. بل يعمل ويسهر من أجل العلم أولاً وأخيراً، لذلك قرأنا في كتب التاريخ أن علماء كبار ماتوا وهم فقراء وربما مخلفين ورائهم جيشاً من الدائنين.

هل تتذكرون قصة العالم الذي جرب علاجاً جديداً من خلال حقن ابنه باللقاح؟ لم يَدع لمؤتمر صحفي ولم يصهلل ويهلل ويخاطب الصحف والإذاعات لحضور التجربة، أجراها هو بنفسه في غرفة مظلمة بالكاد ينيرها ضوء خافت من مصباح قديم، كانت التجربة تاريخية بكل ماتحمله الكلمة من معنى وتسجل له انجازاً أفاد البشرية بأجمعها .. أقصد لم يكن الأمر يعني أنه مجرد مشاركة في بحوث جامعية أو كتابة تقارير حول حلول مستقبلية.

أسوق هذه المقدمة وأنا أرى وسائل إعلامنا تتهافت لنشر أخبار طلاب أو أطباء إما يكتبون بحوثاً للرسائل الدكتوارة أو الماجستير، أو يشاركون في بحوث اعتيادية تخص مجال عملهم، من الطبيعي أن يشارك جراح القلب في بحوث معملية لحل إشكالية في عملية الصمام .. ومن الطبيعي أن يكون هناك حلولاً مقترحة اعتيادية لأي بحث، لكن من غير الطبيعي أن نرى تلك البحوث وتلك النتائج تسجل كإنجازات للوطن وتتناقلها الصحف ومواقع الانترنت.

ضجيج .. ضجيج .. ضجيج بكل ماتحمله كلمة ضجيج من معنى، منذ أن بدأنا عالم الابتعاث وأخبار الطلاب المشاركين في بحوث تملأ إعلامنا، ومنهم من تخدمه الظروف ليتحول إلى نجم كبير لا يشق له غبار وبعض الأسماء رشحت صحفياً لمناصب (وزارية)، العلمية أصبحت سهلة جدا بشكل لا يمكن تقبله، خذ مثلاً قصة الباحثة التي تشارك في بحوث اعتيادية بجامعة هارفرد .. لم تقدم أي منتج يغير التاريخ أو حتى يدخل ترشيحا لجائزة نوبل .. مجرد بحوث يقدمها أي باحث في مجال، في النهاية لا تشكل أي إنجاز لأن عدد البحوث التي تنشر سنوياً قد يصل إلى الملايين .. لكن البحث المؤثر هو الذي يفرق، يكفي أن نقول بأن هذه الباحثة أعجبتها الهالة الإعلامية التي تسحر أي شخص .. وأخذت تزيد وتستعرض إمكانياتها لدرجة قولها أنها حفظت القرآن في ستة أشهر لأن الدكتور المشرف انتقد حجابها (بالعربي خذ وخل)، وعالمة أخرى أصبحت تتقصى كل صغيرة وكبيرة يكتب عنها إعلامياً حتى أنها تهاتف الصحف يومياً من أجل المطالبة بحذف تعليق انتقدها نشر ضمن عشرات التعليقات على موضوع تطرق لها .. (بالله في علماء كذا ؟) .

المصيبة التي لا تقل عن ذلك إدعاء البعض حين حصولهم على شهادات خارجية بأنه يصنف (أول سعودي يتمكن من التخرج من هذا التخصص) .. وأصبحت هذه العبارة ترويسة ثابتة تنشر في الصحف لإعطاء إيحاء بأن الخريج (جاب الذيل من ذيله) وهي خدعة تنطلي على كل الصحف تقريباً ولا يكشفها لاحقاً إلا القراء ، مرة قرأت عن شخص حقق شهادة في مجال الكمبيوتر(نسيت بالضبط التخصص) وأتذكر أن أحد القراء شارك بتعليق وضع فيه رابطاً لموقع يخص أرامكو يفيد بأن عدد الحاصلين على هذه الشهادة يتجاوز 700 موظف ! .

هل تتذكرون تدوينة سابقة كتبتها عنوانها (في وطني كن مهايطياً ولا تكن مبدعاً)، أمثال هؤلاء يطبقون هذه النظرية بكل احتراف ..هايط .. أزعج .. افتعل قليلاً من الضجيج حولك .. ستصل إلى المقاعد الأولى، أعلم بأن هناك من سينتقد أسطري هذه من منطلق ( ياخي هذولي ياخذون شهرة ونجومية ولا ياخذها ممثل أو لاعب) ، فأقول له ياصاحبي أولاً مفهوم الضجيج لا يتماشى إطلاقاً مع توجه أي عالم أو باحث ينشد العلم أولاً وأخيراً ، الأمر الآخر هو أن هذه الضجيج والحضور الدائم سيقدم مثل هؤلاء (المفلسين) للصفوف الأمامية ، (مرة جريدة عكاظ سألت إحدى الباحثات : ماذا ستفعلين إن رشحتي لمنصب وزيرة الصحة! ) .

* أستثني من الأسطر أعلاه الباحثة غادة المطيري .. إحقاقاً للحق لم أقرأ لها هياطاً حتى الآن !