وداعاً ٢٠١٦ .. مرحباً ٢٠١٧

نعم أصبحت رجل سعودي تقليدي، عمل يومي واهتمامات منزل وجلوس مع العائلة والأطفال، ثم قضاء الويكند مع الأصدقاء في الاستراحة متنقلين بين أحاديث عامة أو متابعة مباريات أو خوض تحديات الفيفا المثيرة.
لا أذكر أني سجلت نقاطاً في موضوع المدونة السنوي كي أستشهد بها، لذلك سأحاول الحديث بما تسعفني به ذاكرتي المتواضعة والمهترئة جراء الاعتماد على التطبيقات ومواعيد التذكير.
أدركت في مطلع هذا العام وبعد سكني في المنزل الجديد بأن ما أصابني في العام الذي قبله أشبه مايكون بـ (اكتئاب) ، ولأطلق عليه مصطلح (اكتئاب العمار) والذي يواكبك في متابعة شؤون منزلك الجديد والهم الضخم والكبير النفسي أولاً والمعنوي ثانياً .. وفوق ذلك تأثير ضغط (الكاش) الذي لا يمكن تعويضه سوى بالاستدانة من هنا وهناك حتى .. ينتهي كل هذا الكابوس بالنوم في المنزل بالليلة الاولى.

أحاول أن أعصر مخي كما يقولون لإدراك شيء من هذا العام، مر بسرعة وسط أحداث سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى وبوادر مرحلة جديدة في (شد الحزام)، بالنسبة لي لن يكون 2016 أسوأ حالاً من سابقه، اعتبره عام (الراحة) مقارنة بسابقه، فلم أستحدث فيه مايستحق أن يذكر بل كان عام (لم الشتات) من الركض المتواصل والهم الكبير خلال العامين اللذين سبقاه، واختتمت نهايته باصلاح بعض الإلتزامات المادية بحمد لله من الله وتوفيقه.

شخصياً : عندما أتذكر أن العام 2017 سيكون عام الأربعين .. أتوقف عن التفكير مباشرة  ، فهد ويارا أصبحا صديقين أكثر وإزعاجهم وطلباتهم أكثر وأكثر، عندما يطلب أحدهما التوقف عند السوبر ماركت مثلاً أو مطعم ماكدونالدز يمكنني (تصريف) الموضوع بأي عذر ولكن عندما يتفقان بإصرار .. لا أملك سوى القبول، وأحياناً أتذكر طفولتي وكيف كنت أطلب من أبي مصروفاً للبقالة أو من أشقائي زيارة سوبرماركت ما ، ولو عصرت مخي جداً لذكرت كم مرة دخلت اليورومارشيه أو سوبرماركت العزيزية في طفولتي وكان الأمر وقتها حلماً .. رغم أني أخرج منهما أحياناً دون شراء شيء خاص لي، لهذا أعوض الأمر قليلاً في أطفالي، حتى مع فهد .. كان حضور المباريات حلماً ولربما المباريات التي حضرتها قبل سن العشرين لا يتجاوز عددها اليد الواحدة، لذا فهد سيحضر ويسعد بانتصار الهلال أو المنتخب أكثر مما سعدت أنا.
رياضياً: سعدت بتحسن مستوى المنتخب وبداية عودة الوهج الرائع للانتصارات والأفراح الجماهيرية، وسعدت كذلك بإعلان حب جماهير الأندية للاعبي الفرق المنافسة طالما هم بقميص الأخضر – رغم بعض أصوات النشاز المعتادة – ، كما لا زلت أرى بأن الدوري السعودي مثير جداً داخل الملعب وخارجه، حتى وان اعتراه بعض السوء الفني أحياناً ، إلا أن متابعة الأحداث وملاحقة المنافسين رائعة جداً ومثيرة خاصة مع عودة الأندية الكبرى للتنافس الحقيقي، وبالنسبة لي هذه المتابعة تمثل أهمية كبيرة وأحرص على معرفة النتائج وأحوال الفرق.
تقنياً: أعتقد أن 2016 من الأعوام التي لم نشهد فيها تغير تقني يستحق، حتى أن أجهزة الجوالات بما فيها الآيفون والسامسونج لم تعد تحمل تغيرات تذكر، والشبكات الإجتماعية لازالت بأركانها الأساسية دون تغيير، رغم أني والله أبحث عن محطة جديدة منذ سنوات ومنذ أن بدأ تويتر يفقد وهجه وتضعف متابعته بالنسبة لي حتى أني لم أعد أشارك وألغيت كل تغريداتي تقريباً باستثناء عدد قليل، وبطبيعة الحال بقيت أتابع تويتر بقائمة خاصة (مخفية) فيها 50 شخص فقط أجد في تعليقاتهم فائدة إضافة لعدد من الأصدقاء، تطبيق “أوبر” من أجمل التطبيقات هذا العام وتعجبني لمساتهم وطريقة عرضهم للرسائل والبريد الإلكتروني .. احترافية جداً وأنيقة، كما أنني أتوقع أن تحديثات (جوجل ماب) كما قرأت عنها ستكون رائعة في العام الجديد وأذكى مما سبق.
إعلامياً: في رأيي أن التحدي أمام الإعلام ازداد صعوبة في 2016، كما أن وسائل الإعلام السعودية صحافة وتلفزيون لم تتمكن من الخروج من عباءة العمل التقليدي البحت والإكثار من المديح، من النادر أن تقرأ أو تشاهد نقداً حقيقياً يهدف للصالح العمل وتطوير البلد، ويحز في خاطري وأنا أتجول في شوارع الرياض غير المخططة والمليئة بالحفر والمطلبات المبالغ فيها وفوضى التنظيم المروري، أن لا يقابل ذلك عملاً إعلامياً جاداً .. بل تجد أن المديح في تحسين الشوارع وخلافه له النصيب الأكبر، لذا من الطبيعي أن يكسب “تويتر” الجولة ويخطفها إعلامياً ولا سيما قضايا التعدي على الشوارع ونذكر في ذلك قضية (بلاش دلع)، من جانب المقالات خفت المتابعة قليلاً مع ضعف القراءة – بصراحة – ، فالعيب مني أولاً لكني لازلت أحرص على مقالات عبدالرحمن الراشد ومشعل السديري والرائع فهد الأحمدي.

ختاماً .. أسأل الله لي ولكم التوفيق في العام الجديد وأن يكون أجمل وأفضل من سابقه .. وتذكروا أن الحسد يحرق صاحبه، فطهروا قلوبكم وابتعدوا عن هؤلاء

وداعاً 2015 .. مرحباً 2016

600

لا أستطيع أن أتجاوز مطلع العام الجديد دون أن أسجل تدوينة سنوية كهذه، كل عام أقول بأني سأسجل أبرز الأحداث والذكريات لكني – كالعادة – أصل لكتابة هذا الموضوع وأنا بالكاد أتذكر ماجرى فيه، وأحياناً أعذر نفسي نظراً لاسلوب حياتنا أو حياتي بالمعنى الأصح غير المنظم وارتباطات العمل الدائمة صبحاً ومساءاً (لا تعمل في الإعلام أرجوك)، وزيادة الارتباطات الأسرية لتزايد أفراد الأسرة وحجم البيت.

على طاري البيت .. الحمد لله أني أنهيت حلم بيت العمر بفضل من الله وطلقت شقتي الجميلة إلى منزل لا يبتعد حجماً عنها، لكن هذا المنزل أخذ كل طاقاتي الجسدية والنفسية والمادية، كانت تجربة صعبة ومرهقة جداً خاصة لشخص مثلي لم يعتد على الأعمال والمشاوير الكثيرة والاختيارات المتعددة ومتابعة العمال ومشاكلهم وغباء بعض الجهات الحكومية في المراجعة، صحيح أني عشت وضعاً مادياً صعباً .. وصعباً جداً إلا أن فكرة السكن والنوم في المنزل الجديد ينسف كل ذلك ويجعلك تنسى أن طابقك الأرضي لازال فارغاً من أي قطعة أثاث .. (يحلها الله) .. هذه جملتي التي أرددها بين حين وآخر .. (يحلها الله) حتى أجد شنطة مليئة بالملايين في شارع مظلم 🙂 .
على الجانب الأسري فهد صار يلفت نظري بأسئلته الدائمة حتى ونحن قبل أيام (26 ديسمبر) نحتفل بسنته الرابعة كان يسأل بكثرة حول المطعم، بل أنه أصبح يكتب في بحث يوتيوب على الايباد بنفسه وهو أمر أسعدني بقدرته على الكتابة ومعرفة الحروف، أما يارا .. فلهذه الجميلة قصة أخرى، في مارس المقبل تكمل عامين ولكنها تتعامل معي وكأنها فتاة في العشرين .. البنت تسحر ياجماعة :).

أحاول أن أعتصر مخي لأكتب حول 2015 فلا أجد، ويبدو أن تشطيب المنزل أخذ جهدي ووقتي فلا أتذكر أي أحداث هامة باستثناء سفرة قصيرة اقتنصناها إلى ألمانيا والنمسا في مارس الماضي كانت رحلة شتوية والاجواء ثلجية، صحيح أن كثرة الملابس مرهقة ولكن تجربة السفر في الشتاء (لذيذة) وأنت تمشي بين الثلوج، أعجبتني (أنسبروك) النمساوية .. مثل هذه المدن المفروض أن لا تكون على الكرة الأرضية 🙂 .. كلما أتخيل نظام المدينة الجميل والمنظم وأقارنه بالرياض مثلاً تأتيني حالة لا وصف لها لكنها مليئة بـ (ضيقة الصدر)، الصورة المرفقة في هذه التدوينة لـ (انسبروك) النمساوية والله أنها بلا أي تعديل بالفوتوشوب .. شي مذهل لقمة المدينة من أعلى جبالها.

إعلامياً .. ولأني كبرت واقتربت من حاجز الأربعين (ياسرع الدنيا)، أصبحت أميل لقراءة المقالات أكثر وتحديداً في جريدة الشرق الأوسط، يسحرني فكر عبدالرحمن الراشد وطريقة تناوله للمواضيع بواقعية (أقرأوا ماقاله عن الميزانية مثلاً) .. مقارنة بآخرين لا يجيدون سوى التطبيل ولعق الجزم ومقالاتهم أصبحت مكررة مع كل ميزانية، كما أصبح مشعل السديري من أكثر الكتاب الذين أحرص على متابعة مقالاتهم وحقيقة يشدني بأسلوبه الساخر والسهل .. يؤلمك رأسك عندما تقرأ مقالات لآخرين يملأونها بالعبارات الفخمة والأبيات القديمة صعبة الفهم، ثم يأتي مشعل السديري باسلوب رائع وسلس، لفتت نظري هذا العام مقالات سعد المهدي الرياضية وأستغرب بأن فكره الراقي هذا لم ينعكس على أداء جريدة الرياضية عندما كان رئيساً لتحريرها، أما على مستوى الصحف فلا أتوقع بأن أحداً يرفض نجومية جريدة مكة والتي ولدت في الزمن الخطأ فمستوى قراءة الصحف من العامة ضعف كثيراً مع فورة الشبكات الاجتماعية وبرامج المحادثة.

قبل أن ينتهي العام 2015 سعدت جداً بأن صديقين عزيزين أعلنا عزمهما على الزواج أحدهما ملكته اليوم والآخر بعد أيام، ووالله أني فرحت لهما من كل قلبي وهما يعلمان ذلك، الزواج والاستقرار جزء من حياة الشخص ومسيرته في هذه الدنيا، لا تكتمل أركان السعادة إلا وأنت ترى أطفالك بجانبك، كما أن وجود زوجة في حياتك تكون صديقتك ومنجم أسرارك سيغير الكثير من أساليبك الحياتية بلاشك.

ماذا أنوي في 2016 ؟ لا أتطلع إلى شيء كثير رغم وجود بوادر تغيرات كبيرة في حياتي العملية، لكني أهدف أن يكون هذا العام (عام الحزم) بالنسبة لي لترشيد الإنفاق والاستهلاك لتسديد الديون وتأثيث الدور الأرضي من بيتي، كما أتطلع إلى أن أزور الولايات المتحدة في رحلة من شرقها (نيويورك) إلى غربها (لوس أنجليس) مع عدد من الأصدقاء بالسيارة .. هذه رحلة الحلم بالنسبة لي ومنذ سنوات وأتمنى أن أخوضها لكن عملية بناء المنزل هدمت كل تلك الأفكار.

قبل أن أختتم أسطري هذه أتحدث عن الشبكات الاجتماعية في 2015 والتي كشفت كم أننا نعيش بين عدد كبير من الحمقى والأغبياء والبلهاء، والله كلما تصفحت تويتر لأشاهد تعليقات المؤثرين و(الهوامير) بما فيهم عدد من الإعلاميين، أني أُكبر بأن أعيش مع أصدقاء لي أعتبرهم عباقرة وحكماء مقارنة بهوامير الشبكات الاجتماعية، كمية غباء كبيرة واستنتاجات غبية غير منطقية (تابعوا مثلاً من يتحدث عن حريق فندق آدريس ومستشفى جازان)، يكفني من تويتر أن أتابع فؤاد الفرحان وأقرأ تغريداته الرائعة.
يبدو أن ثرثرتي زادت عن توقعاتي، عندما كتبت العنوان كنت متورطاً بماذا سأكتب .. والآن (ماشاء الله علي 🙂 ) يبدو أن أصابعي على الكيبورد لا تريد أن تتوقف .. توقفوا أرجوكم 🙂 خلاص

 

400

درجة الحرارة .. حلها الكتابة

حينما ترتفع درجة حرارتي، تأتيني دائماً أفكار أريد أن أطرحها في المدونة، صحيح أن مدونتي ليست جماهيرية وبالكاد تحصل على عشرات الزوار كل يوم، لكنني دائماً أقول بأن لا أبحث عن انتشار أو نشر الروابط عن طريق آخرين لأني أريد أن أكتب لنفسي أولاً، فالكتابة قبل أن تكون راحة نفسية فهي إرث لخبرتك وعلمك في حياتك، لو فكرت لسنوات بعد عام 2005 وحتى وقت زواجي، فلا أذكر أحداثاً هامة تستحق الذكر سوى ما أدونه هنا.

ألوم نفسي كثيراً على ابتعادي عن القراءة، وأبحث دائماً عن أمل أو حل أتعلق به لأعود وأقرأ، كنت في السابق أفضل القراءة بالليل قبل موعد النوم، أما حالياً فالوضع تغير مع زيادة المسؤوليات العائلية والعملية، لا يمكنني البقاء لقراءة صفحة واحدة إلا وأدخل في نوم عميق.

القراءة شيء جميل وموسع لمدارك أي انسان، لكن الكتابة ألذ حتى ولو كانت لنفسك، كنت في مرحلة الثانوية أعتقد بأني سأستطيع أن أكتب شعراً فصيحاً حاولت وفشلت، وكتب الله لي أن أجد متنفساً أكتب فيه بحريتي كما أريد بهذا المدونة.

أصبحت مهتماً أن يكون لي إرث في آرائي وأفكاري، ليس مهماً أن تكون مواضيع هادفة وذات قيمة، بل هي خلجات أعبرها وأطرحها بصوت مسموع، لذلك تحمست أكثر لأن أجمع مواضيع مدونتي في كتاب إلكتروني وكنت قد بدأت بذلك بطرح الجزء الأول، منصة “ووردبريس” لن تبدو آمنة في سنوات مقبلة، لكن جمع الآراء في كتاب يعني حفظه حتى ولو بلغ ذلك أبنائي وأحفادي – ان شاء الله – .

قريباً سأطرح الجزء الثاني من مواضيع مدونتي في نسخة إلكترونية.

 

صدفة المصيبيح الجميلة

أحمد المصيبيح في حفل زواجي

الصدفة هي سيدة الحياة، عن نفسي دائماً ما تحدث تغيرات كبرى في حياتي نتيجة “الصدفة” .. دون تخطيط أو تفكير مسبق، وأنا أتجول في صوري القديمة ومنها هذه الصور التي تجمعني بأحمد المصيبيح في حفل زواجي قبل نحو 6 سنوات، تعود بي الذاكرة إلى الزيارة الأولى لي لمبنى جريدة الرياض بحي الصحافة في مطلع العام 2000 مع الصديق سعد الهويدي رسام الكاريكاتير، وكنت وقتها مع بدء الانترنت في السعودية أنوي تصميم موقع عن الرياضة السعودية واحتاج إلى صور تاريخية قديمة، زرت مبنى الجريدة ورفض موظف مركز المعلومات حينها منحي الصور بحجة منع إخراجها من مبنى الجريدة، وكان المقترح أن يطلبها القسم الرياضي بالجريدة كما لو كانت لمادة تحريرية .. ثم أطلب الصور من القسم وهو إجراء أسهل خاصة أني سأعيدها في اليوم التالي بعد نقلها لجهازي.
أذكر تلك اللحظة تماماً وعمري حينها لا يتجاوز ربما 22 عاماً، قال الموظف اطلبوا الصور من مدير التحرير أحمد المصيبيح، وكانت اسم المصيبيح بالنسبة لي علم كبير خاصة أنني أقرأ مقالاته وأشاهد تحليلاته في قناة آرتي سابقاً، كما أني كنت أراسل صفحة القراء الرياضية بالجريدة وأراسل أيضاً زاوية عواكيس عدة مرات.

تفاصيل المشهد أذكره تماماً كما لو كان البارحة، كنت إلى حد ما أرتجف رهبة من المكان وأنا أشاهد الصحافيين يتنقلون بين الأقسام وبأيدهم المواد والصور، اتجهت مع سعد الهويدي – وكان واسطتي – للمصيبيح لاقتراح طلب الصور وتفاجأت بحماس المصيبيح وقتها للسؤال عن الانترنت – الشيء الجديد والمجهول بالنسبة له – وكيف أنني أدرس في تخصص الأدب العربي بالجامعة وأصمم موقعاً إلكترونياً بعد إطلاق الانترنت في السعودية في أشهره الأولى كان يسأل كثيراً عني وعن آلية الاستفادة من الشبكة في العمل التحريري، وأذكر أني سعدت جداً عندما عرفته بنفسي وقلت بأني شاركت بنحو أربع مقالات في صفحة القراء الرياضية .. عرفني بسرعة وأشاد ثم أشار لبقية الزملاء في المكتب بصوت مرتفع (هذا السويلم اللي يراسلنا في القراء) ..

الصعقة المفاجئة .. أنه قال وسط حديثه السريع (اترك عن المواقع وتعال اشتغل معنا) .. انعقد لساني وقتها ولم أعرف كيف أجيب، ولم أكن أدرك وقتها مفهوم العمل الجزئي لأني كنت أدرس، وافقت ودارت الأيام بسرعة بشكل أكثر مما كنت أتخيل وأصبح لي مكتب في الجريدة .. لكني لم أعمل وقتها في القسم الرياضي إلا في العام 2003 وكان حينها المصيبيح قد ترك القسم الذي ترأسه الاستاذ سليمان العساف والذي كان له فضل علي لا ينسى وسأتحدث عنه في موضوع آخر، قضيت السنوات الثلاث الأولى في قسم الانترنت في الجريدة منفذاً إلكترونياً أحول الصفحات الورقية إلى النسخة الإلكترونية، وكنت أتحمس لتغذية القسم الرياضي بمواد من الانترنت خاصة في أخبار المدربين واللاعبين الأجانب الذين تنقل عنهم المواقع العالمية أخباراً كانت بعيدة عن الصحف السعودية .. وكنت أقتنص المهم منها ليكون سبقاً صحفياً على المستوى المحلي.

الأيام مضت بسرعة وهانحن على مقربة من العام 2016، ستة عشر عاماً من السعادة والحب قضيتها في جنبات جريدة الرياض .. كان الفضل بعد الله في كل ذلك إلى هذه الزيارة السريعة التي لم تتجاوز 5 دقائق مع أحمد المصيبيح .. لتغير لي كل شيء.

هو استاذ ولن أنسى له هذا الفضل، وبالمناسبة علمت لاحقاً بقدرة المصيبيح على استقطاب غيري للجريدة ومنهم من أصبح في مناصب قيادية .. وهذا يعكس بعد النظر 🙂

عندما قال لي .. يا عم :(

عندما قال لي يا عم

أكتب أسطري هذه إلى جيل الشباب والذين ينعمون بحياتهم في عشرينات العمر، كنت إلى وقت قريب أنتشي بكلمات كبار السن التشجيعية الموجهة لي كشاب، خاصة في العمل، من مفهوم أنك الشاب الذي يغير ويطور، وأنك الشاب الذي تتمتع بقدرات تسبق بعمرك .. وأنك الشاب الذي فيك ومافيك، والذي نؤمل عليك قلب الأوضاع رأساً على عقب .. بأفكارك الجديدة والعصرية.

شعور صغر العمر يدور في ذهنك كل يوم، والتصرفات التي تخطئ فيها ربما يفهم بأنك لازلت شاب صغير السن، لا تتمتع بالخبرة في هذه الدنيا، لكن الأيام تمضي بسرعة وبشكل لا تتخيله، حتى تصبح يوماً من نومك وتعرف بأنك الآن لم تعد شاباً كما كنت تحس قبل ذلك.

الآن أصبحت أشاهد الأطفال الصغار الذين كنت أحملهم وألاعبهم بيدي قادوا السيارات وتخرجوا من الجامعة، والطفلة الصغيرة التي كنت أصورها وألاحقها في ممرات المنزل تتزوج، أصبحت أقول كما كان يقول والدي عندما يشاهد شباباً بأنه كان يحملهم على كتفه عندما كانوا أطفالاً، نعم كبرنا لدرجة أننا أصبحنا نتحدث عن ذكرياتنا فيما زملاء لنا في المكتب أو الاستراحة لم يولدوا حينها بعد .. حرب الخليج 90 مثالاً !

كانوا يقولون أن شعور الكبر في السن وتجاوز مرحلة الشباب تأتي عندما تضايقك تصرفات الشبان صغار السن ولا تستسيغ تصرفاتهم أو حتى أطفالهم، بين حين وآخر أقول لنفسي من هو الشخص الذي يقبل لنفسه بأن يأكل برغراً معلباً من ماكدونالدز، أو حتى من يترك الاستماع إلى فيروز وأم كلثوم ومحمد عبده ويستمع إلى ضجيج أغانٍ عربية غير مفهومة أو أغانٍ أجنبية مزعجة.

 

كل ذلك في كوم .. كما يقولون والشعور الذي انتابني ونزل علي كالصاعقة مساء أمس، كنت أتجول في ساكو بصحبة عائلتي، ولم أحلق دقني الذي – للأسف – غزاه الشيب بعد تجربة (بيت العمر)، سألت البائع الشاب السعودي الذي يظهر بأنه متدرب كما في الكرت الظاهر على صدره عن سلعة معينة .. قال لي: ياعم .. ستجدها في فرع مخرج 5 ..

 

هو قالها أم لم يقلها .. وقفت أنظر لحالي في المرآة المقابلة .. نعم يا أحمد اليوم أصبح الشبان ينادونك بـ يا عم .. وأصدقاؤك يقولون لك يا أبوفهد بدلاً عن أحمد، عدت للمنزل وكلمة يا عم وكأنها مكتوبة بالخط الديواني فوق رأسي، رغم أني عدت بحلول منتصف الليل تقريباً إلا أني اتجهت فوراً لحلاقي دقني .. لا أريد أن أكبر .

ملامح الشاب وهو يقول يا عم تتكرر أمامي طوال يومي هذا، وأصبحت كالسيدة التي تغضب عندما يناديها العاملون بـ “يا خالة” .. لقد أصبحنا سواء الآن.

لم تعد تستهويني

وبعدين .. كني هونت عن التدوينة

لحظت مؤخراً أني عندما أتحدث أو أكتب أتطرق إلى ناحية العمر وتقدمي في السن وأني أصبحت على أعتاب الأربعين، أنا بنفسي مللت من ترديد ذلك غير أن الحالة تنتابني في كل مرة، ولربما كان ذلك تمهيداً قبل بلوغ هذا الرقم.

مؤخراً ومع الأحاديث المتكررة في المجالس والاستراحات بين الزملاء والأصدقاء الذين يرغبون بشراء سيارات جديدة واستعراض صورها عبر أجهزة الجوال والمزايا التي تتمتع بهذا هذه السيارة وغالباً هي كماليات لا تستخدم إلا مرات قليلة وقليلة جداً، بدأت ألحظ بأني لا أولي لتلك الأحاديث أي أهمية ولم يعد أمر استعراض السيارات والموديلات الحديثة أمراً يستهويني بخلاف حالي قبل الزواج مثلاً، كنت أقضي جزء من وقتي في مطالعة أخبارها وجديدها بل وحتى زيارة المعارض القريبة لرؤية الموديلات الجديدة ومقارنتها بسابقتها.

لا أدري ولكن لم تعد تهمني أن تكون حلمي قيادة مرسيدس أو سيارة فخمة، لربما وضع القيادة المأساوي في الرياض يحتم التفكير عشرات المرات في أن تدفع مبالغ كبيرة لأجل سيارة، في طريقي للعمل كل يوم (مرتين) أمر بثلاثة دوارات شمال العاصمة وجميعها تعني خوض تحدي في كل مرة، لا الطرق تساعد بخطوط واضحة ومقسمة، ولا تقسيم الدوار يصمم بطريقة تجبر الداخل إليه بالوقوف عبر انحناء مثلاً، ولا المرور يتواجد لينظم أو يساعد فك الاختناقات الدائمة .. وأخيراً قائدو السيارات الأخرى يشعرونك بأن الأمر ماراثون أو تحدي .. لا أخلاق ولا حسن تعامل، كلٌ يقود بمبدأ – نفسي نفسي – ويتحتم عليك كل مرة الحذر والإلتفات واستعمال الفرامل بقوة أحياناً.

هذه نقطة .. النقطة الأخرى ماذا ستوفر السيارة الفخمة لي؟ أنا بالكاد أتجاوز سرعة 100 كلم داخل الرياض ولا يضرني كم يمثل (عزم السيارة) وقوتها بالنسبة لي، وفي تجارب استئجار سيارات خارج المملكة كنت أقود أحياناً سيارات 4 سلندر ولا أشعر بالفارق أبداً.

الثقة بين ستيت ستريت وفلافل أبو جبارة

ستيت ستريت سانتا باربرا

من أكثر الأمور التي شدتني عندما زرت سانتا باربرا – كاليفورنيا – في أيامي الأولى، التناغم الذي يحدث بين سكان البلدة وقائدي الباصات التي تجوب (ستيت ستريت) طولاً وعرضاً بتكلفة لا تزيد عن نصف دولار، إذا تأخروا أمام جهاز الدفع للبحث عن عملة ينبههم قائد الباص بأن بإمكانهم الدفع غداً أو (متى ما أرادوا)، على الرغم من قلة المبلغ إلا أن هذا الأمر كان يشدني دائماً وأنا أجلس في مقعدي أترقب الداخلين الذين لا يحملون معهم نصف الدولار.

كان يعجبني منظر الثقة المتبادلة بين الطرفين، السائق يعرف بأن الراكب لن يسرقه وسيدفع غداً أو بعده (كنت ألحظ أحياناً من يركب ويدفع دولارين مثلاً عن أيامٍ ركب فيها بالمجان).
لا أخفيكم بأني كنت أترقب وأتحسر، لماذا لا نعيش هكذا، لماذا لا نقدم حسن الظن والثقة بالآخرين ونعيش الشعور ذاته، في واقع الأمر من جهتي احتاج الأمر خمس سنوات من تلك الحادثة في كاليفورنيا حتى أعيش أحداثها في الرياض.
البارحة توقفت في إحدى البقالات القريبة لشراء المشروبات ولأني سيء جداً في الرياضيات وبحكم أن المشروب الغازي سعره 1.5 فهذا الامر سيدخلني في متاهة الحساب .. إممم 10 علب بـ 15 ريالاً (هي ماتبقى حينها في جيبي) ولعلي أخطأت وزدت العدد إلى 11، وصلت إلى الكاشير وهو مقيم يمني واكتشفت اني زدت العدد لذلك فضلت سحب علبة من الكيس لأن كل ماكان معي هو 15 ريال فقط، تفاجأت بأنه وضعها في الكيس وأقسم (لا ترجع شيء .. أي وقت تجي بعدين حاسب عنه) .. أخبرته بأني أخطأت في العد وأريد 10 فقط بينما هو أصر على رأيه مطالبني بسرعة الانتهاء بحجة أن الزبائن خلفي.
الثقة لها وقع جميل حتى ولو كان على مبلغ ريال واحد فقط، أسعدتني كلماته وهو يرفع الكيس نحوي إن كنت أحتاج أمراً آخر.
صباح اليوم وبحكم أني أعمل في إجازة العيد صحوت متأخراً- كعادتي – ووصلت إلى مطعم قريب من مقر عملي لشراء وجبة إفطار، لا أخفيكم بأني سعيد بأن مطعم (أبوجبارة) قريب فاتجهت ناسياً بأن محفظتي خالية منذ الأمس، طلبت الوجبة وحين هممت بالحساب تذكرت بأن المحفظة خالية اعتذرت بحجة أني سأذهب إلى صراف قريب وأعود .. أجابني الكاشير بأن الوقت ضيق وأنهم سيقفلون الآن لصلاة الظهر ولا يمكنه انتظاري ثم علق .. (خذ الوجبة وهات المصاري في أي وقت بعدين)، ابتسمت وشكرته على هذه الثقة بالناس وأن هذا الأمر يعطي لمحة إيجابية عن مستوى الخدمة ويبدو أن (كلامي .. جاز له) فأمر العامل بأن يزيد الكمية.
قد تكون هذه المواقف تواجهكم يومياً (ماجبت جديد)، لكن بالنسبة لي لم أعتد أن ألحظ مثل هذا الأمور هنا بالرياض وإن كنت أعزوه لأمرين أولهما البرامج الإيجابية التي تظهر بين حين وآخر مثل برنامج “خواطر” الذي يعزز من نشر قيم مثل هذه فهي ستؤثر بما يشاهدها (شئنا أم أبينا) الأمر الثاني والذي أعتقد بأنه الأصوب هو أني كبرت بالسن مع بوادر اكتساح الشيب وأن هذا الأمر يعطي ثقة للباعة بأن الرجل كبير ومتزن وليس مثل الشباب والمراهقين وبالتي سيعود يوماً ويدفع.
في كلتا الحالتين الأمر إيجابي، وحقيقة نحن نتحسن في تعاملات الحياة في السنوات الأخيرة بفضل انفتاح الانترنت والفضائيات، باستثناء اسلوب قيادة السيارة.

 

تحديث:

تحديث: ياللمصادفة وقت نشر الموضوع كنت أتصفح الانستغرام وحصل لسعود العكوز موقف مشابه 🙂 .. مالذي يحدث