هل سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه وسائل الإعلام ؟

من أكثر اللحظات التي تثير حنقي حينما أرى متطفلين على الإعلام وهم ينظرون في مستقبل الصحافة والقنوات الفضائية رغم أنه لم يمارسوا العمل الصحافي يوماً، فهم لا يعرفون حتى كيفية تجهيز وإعداد صفحة من الألف إلى الياء، ولم يكتبوا أخباراً أو تقاريراً أو حتى يقومون بتغطية ميدانية أو رحلة خارجية، ورغم ذلك تجدهم في كل مؤتمر يهيمون وينظرون.

 

ليس لأنني أكملت ستة عشر عاماً في العمل في مؤسسة إعلامية (رجعنا على طير ياللي يالشايب)، ولكن للحق يجب أن يكون الرأي صادر عن ممارسة واطلاع ومعرفة بالأرقام والمعاناة أيضاً التي تعانيها الوسائل الإعلامية بمختلف توجهاتها.

 

نظرتي سوداوية، فالورق الآن على المستوى المحلي يمكننا أن نقول بأنه  شبه انتهى تقريباً وهو أمر أسرع من كل الدراسات المتوقعة، أتحدث عن المبيعات وليس الإشتراكات، من النادر أن تجد نسخاً تباع في سلة الصحف داخل البقالة المجاورة، بل أصبح من النادر جداً وغير المألوف أن تجد زبوناً يقف أمام الصحف ويختار واحدة .. بل حتى بعض الصحف تشهد أخطاء فادحة وفادحة جداً ولا يصبح له تأثير لأن الناس لم يقرأوا النسخة الورقية وأصبحوا يعتمدون على مواقع الصحف الإلكترونية التي تشهد غالبيتها تراجعاً ليس في المحتوى فحسب بل في طريقة وعرض وتصميم الموقع، ربما الصحف الناجحة إلكترونياً لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة – أتحدث هنا عن الصحف العائدة لمؤسسات صحافية – ، بينما الصحف الإلكترونية وإن سجل بعضها أرقاماً كبيرة في الزوار إلا أنها دون المستوى ودون تأثير في الرأي أو التقرير، ومحلياً لا أذكر صحيفة إلكترونية واحدة تستحق الإحترام رغم أن عثمان العمير حاول في إيلاف ولكن توجهها الدولي قلل من انتشارها محلياً، الغالبية منها تسرق الأخبار عياناً جهاراً وتسرق معها الصور أو تعتمد عناوين الصحف الرخيصة.

التلفزيون أصبح مقتصراً على برامج الترفيه أو المباريات، لفت نظري في حديث مع أحد الأصدقاء الذي يعمل في قناة إخبارية – معروفة – بأنه لم يعد متحمساً لكتابة تقارير إخبارية إحترافية خلال النشرات من منطلق أنها لم تعد تشاهد،   في السابق إذا خرج وجهك فقط خلف أحد ضيوف القناة الأولى ربما يشاهدك وقتها نصف سكان السعودية، الآن قد تخرج ضيفاً في برنامج أو لقاء وتترقب ردود الفعل لكنها لا تصلك لأن أحداً لم يشاهدك .. إلا من رحم ربي.

 

هذه التغيرات ملحوظة ونحن نعيش في 2015، فكيف سيكون الحال في 2020 مثلاً ؟ الناس أصبحت تشاهد التلفزيون بنظام – تحت الطلب – ، فإما تشاهد مسلسلاً أو فيلماً عبر الانترنت، أو مادة منقولة على يوتيوب، فقط المباريات هي التي تجبرهم على الحضور والمشاهدة كبث مباشر.

 

برامج المحادثة الآن كالواتس آب وغيره أصبح تكسر كل قوانين البث وحقوق الملكية، جهة إعلامية ما تدفع الغالي والنفيس لقاء نشر حلقة من برنامج على يوتيوب يكلفها ربما 200 ألف ريال في الحلقة الواحدة بغية رفع سقف المشاهدات وبالتالي زيادة قيمة الإعلان، تجد هناك من يقوم بتحميل العمل ونشره في الواتس آب وغيره وبالتالي لا تسجل تلك كمشاهدات يستفيد منها صاحب العمل نفسه.

 

مؤسسة صحافية تدفع مرتباً لكاتب مرموق لقاء 20 أو 25 ألف ريال شهرياً نظير مقال يومي أو اسبوعي تزيد به شعبية موقعها وعدد متصفحيه، بمجرد نشر المقال تقوم عشرات الموقع الإعلامية الأخرى بنقله إضافة إلى نقله كصورة – وليست كرابط – في تويتر أو فيس بوك .. بالتالي الجهة التي تكفلت بالمرتب لم تستفد أي شيء وهو مايؤثر عليها لاحقاً .. تدفع مرتبات كبيرة دون عائد، الشيء ذاته ينطبق على الكاريكاتير وقس على ذلك.

 

عدد من يقرأ .. يتناقص عاماً بعد آخر، وعدد من يشاهد التقارير والبرامج المطولة لم يعد مؤثراً، أصبحت المعلومة والمادة والخبر المعلب – بفضل الشبكات الاجتماعية – هدفاً بحد ذاته، والعاملين بالصحف يعون كمية ردود الفعل التي تنتج عن قراءة العنوان فقط – أي أن القارئ لم يقرأ النص -، فالقراء الجدد يقرأون العناوين ويشاهدون الصور وبالكاد يتوقفون عند مادة تعجبهم.

الوسائل التي ستبقى، إما التي تكون مدعومة من جهة أخرى سواء من قبل حكومة أو من قبل جهة خاصة – رابحة – لكنها تبحث عن ذراع إعلامي مساند، فشركة المملكة مثلاً العائدة للأمير الوليد بن طلال ستحتاج إلى ذراع إعلامي مساند سواء كقناة أو صحيفة .. وهلمجرا.

في توقعي أن السوق الصحافي في السعودية يترقب انسحاب صحيفتين، فبعد انتهى عمر المجلات بشكل شبه رسمي .. الدور على الصحف شيئاً فشيئاً، ستبقى المؤسسات الإعلامية السعودية الكبيرة تعمل اعتماداً على مواقعها الإلكترونية لكنها لن تحقق الأرباح الخيالية التي كانت تحققها قبل 2015.

صناعة الترفيه ستكون هي الهدف الأول والأخير مستقبلاً .. سيغيب الخبر ولن يهتم الناس بالرأي.

إعلامٌ لا يمثلني

يضيق صدري أحياناً وأنا أتابع المواقع الإعلامية أو الصحف اليومية، تأثير استقطاب الزوار الإلكترونيين أصبح الفيصل الآن، كلٌ يبذل جهده قدر مايستطيع رغبة في الحصول على أكبر عدد من الزوار وانتشار الروابط في كل الشبكات الإجتماعية.

هذا التأثير الحاصل والذي يقضي بأن (الترافيك) سيد الموقف حول الإعلامي إلى الصف الثاني بعدما كان يتصدر المشهد، وأصبح التقني الآن قائداً للعملية وموجهاً لخط سيرها .. هل تريد زيارات وإعلانات ورفع مايسمى بـ (الرانك ) .. إذن عليك أن تتجه نحو العناوين ذات الروح الصفراء والإثارة قدر الإمكان في التغريد ونشر الرابط.

لا أخفيكم بأن هذا الأمر أصبح هاجساً بالنسبة لي، رغم سهولة الأدوات الإعلامية الآن إلى أن التوجه للصحافة الجادة والعمل الإعلامي المشرف أصبح نادراً، صحيفة مثل الشرق الأوسط تعد مدرسة في الصياغة والعناوين والأساليب تئن من هجر المتصفحين لموقعها، الموقع العربي لبي بي سي التي كانت تصنف يوماً بأن الجامعة الإعلامية الكبرى التي يجب لأي إعلامي أن يصطبغ قلمه بنهجها أصبح موقعها ربما يمر أيام وأسابيع دون أن ترى أحداً نقل عنها مقالاً أو مادة صحافية.

أصبح الهاجس الآن في عناوين (أحلام تهاجم راغب علامة) .. و (أسطورة الكرة بين ماجد وسامي) .. وغيرها من المواد التي لا تشبع ولا تغني من جوع سوى بأنها تستقطب (كلك) من زائر أو تويتة من آخر، والعدوى انتقلت للوسائل الأخرى فلا يمكن أن تجد سعودياً راضياً عن طرح الإذاعات (الماسخ) أو القنوات العربية المتنوعة رغم محاولات شبكة الجزيرة.

هل الآن متجه نحو الأسوأ ؟ في اعتقادي نعم .. سنتجه نحن الأسوأ نظراً للانفتاح الكبير الذي ولدته شبكة الانترنت، والدخلاء على المهنة الذين لم يتدرجوا يوماً في أعمالها .. لكن السؤال الأهم هل ذلك سيستمر ؟

بكل تأكيد لا .. ، سيعلم الناس يوماً أن التعاطي الإعلامي بهذا الشكل غير مجدي، ستبقى معطيات (الصحافة الصفراء) ولكن بشكل مشابه للإعلام الأمريكي مثلاً .. سيكون هناك إعلام جاد رزين بغض النظر كان محايداً أو لا .. ، السؤال الأهم متى سيكون ذلك ؟

التحليل الأقرب سيكون خلال أعوام قليلة عندما تتورط المؤسسات الصحافية بالإصدار الورقي الذي سيكون مكلفاً دون نتيجة تستحق، وستلتف إلى الأعمال الألكترونية أكثر وقد تحدث نقله حينها

مصير الصحافة الورقية

741

أضحك عندما أفتح شاشة التلفاز أو أقرأ تحليلاً في جريدة أو موقع حول تأثر الصحافة الورقية بالتطورات المستجدة وأن ذلك سيؤدي إلى إيقافها أو تراجعها، ويذهب الكثيرون في تحليل ذلك وأن مايحدث وكأن الأمر فعلاً يحتاج إلى نقاش أو تحليل، القضية منتهية ومحسومة وعندما ترى مثل هذا النقاش فهو في الغالب إفلاس لمعد حلقة يرغب في تقديم فكرة الحلقة على شاكلة .. استمرار الصحافة الورقية بين المطرقة والسندان .. أو بين الحاضر والمستقبل، وغيرها من العناوين التي تقدم عادة للمواضيع المسلوقة.
الآن كلنا على يقين بأن عصر المجلات الورقية انتهى تماماً رغم كل محاولات الإنعاش باستثناء عدد من المنتجات العربية قد لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، في الغالب البقية هي مجلات خاسرة لأهداف (غير تجارية) أو لوجود إتفاقات إعلانية بين أشخاص تتطلب وجود مجلات وهمية تعبأ بمواد إعلانية حسب إتفاقات.
إذا جزمنا بتوقف الصحف الورقية عاجلاً أم أجلاً، فأنا أتقبل مفهوم النقاش حول توقيت ذلك، كثيرون يعتمدون في حديثهم على النتائج الغربية والدراسات في هذا الجانب، وهذا أمر في الغالب غير منطقي، فمحتوى تلك الصحف من الناحية المهنية واهتمامها بالقارئ وسقف الحرية العالي الذي يتيح لها نشر مايوده الناس فعلاً وليس مايفرض عليها سيفتح أمامها الأبواب للاستمرار، ناهيك عن العدد الهائل للصحف الورقية الذي يحتم عليها التوقف أمام المد وخذ مثالاً على ذلك في بلدة صغيرة اسمها (سانتا باربرا) في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، عدد سكانها مئة ألف نسمة فيما يصدر فيها ثمان صحف يومية وصحيفة اسبوعية.
التطور التقني يسير بسرعة الصاروخ، وأنا شخصياً ضد كل الدراسات التي تقول بأن المد الإلكتروني سيوقف الصحف الورقية في 2030 أو نحو ذلك، وجهة نظري أن الأمر لن يتجاوز السنوات الخمس المقبلة، ستبقى أعداد الورق تطبع ولكنها أقرب ماتكون إجراء شكلي يقصد به الاستمرار، وإلا كل الإعلانات والتسويق والتغطيات الخبرية ستكون مخصصة للموقع الإلكتروني.
وهذا امر إيجابي بلاشك خصوصاً وأن وضع مايسمى بـ (الصحافة الإلكترونية) لدينا في السعودية واقعه مزري ومتدني جداً باستثناء تجربتين أو ثلاث، فيما البقية لم تستطع أن تحجز لها موقع اهتمام شعبي إلا باخبار الإثارة (تغطية الجرائم وأعمال الهيئة) وهذا الأمر سيكون إيجابياً لاستمرار المؤسسات الصحفية في الانتقال مع انتقال الفئة العمرية للمجتمع.
هل أنا متفائل بمستقبل العمل الصحفي ؟
المنافسة الشرسة وتطور الصناعة الإعلامية في العالم تقدم بشكل كبير، هذا يدفع بأن العمل سيتقدم للأمام بفضل ارتفاع مستوى الطرح الناتج عن دخول الانترنت في كل تفاصيل حياتنا، لم يعد بالإمكان السيطرة أو التوجيه، إن منعت هنا ستقرأه هناك، صحيح أن مخرجات أقسام الإعلام سيئة أو أقل من المتوسط (في الغالب المميزون يتجهون للعمل خارج الصحافة) إلا أن المنافسة الحقيقية ستجبر على التعامل بمزيد من الاحتراف، كنت في السابق تنقل المؤتمر الصحفي بعد تفريغه بساعة أو ساعتين وترسلها لجريدتك .. الآن وبفضل المنافسة عليك أن تنقل أبرز مافي المؤتمر بشكل مباشر، الخبر العاجل إن تأخرت في نشره دقيقتين أو ثلاث ستكون وسط معمعة هذا التنافس بطيء وخارج نطاق التغطية.
النقلة الإلكترونية ستكون في صالح هذه المؤسسات متى ما أحسنت إدارتها، وفي رأيي أن الأرباح ستكون أكثر لوجود منصات كثيرة للإعلان مع قفزة الشبكات الإجتماعية سيما يوتيوب.
أخيراً أقول ارصد تعاملك مع الصحف الورقية وصور نفسك وأنت تقرأ، ستكون لهذه الصور قيمة بعد عشر سنوات حينما تتداولها مع أبنائك .. انظروا لأبيكم وهو يقرأ الصحيفة الورقية ذات الحجم الكبير .. وسينتهي الحديث بضحكات حتماً على الماضي الجميل.

درس أول : لا تصدق شهود العيان

 

بين ناظري الآن كاريكاتير جميل للرسام عبدالسلام الهليل، الرسم كان لشخصين يتحدث أحدهما للآخر وهو يقرأ خبراً من جريدة يحكي قصة بمقتل رجلين إثر حادث سيارة .. وفي تفاصيل الخبر يشار إلى أن قائد السيارة كان ينوي أكل موزة فما كان من زميله الذي كان بجانبه سوى خطفها منها ومن ثم حدث عراك بينهما على (الموزة) حتى اختل توازن السيارة واصطدمت بحاجز اسمنتي أدى إلى إنقلابها ومقتل من فيها.

كيف عرفت الصحفي بتفاصيل القصة ؟ نسبها إلى شهود عيان كانوا متواجدين لحظة وقع الحادث، لكن غاب عنه سؤال .. كيف عرفوا بالحوار الذي دار بين الشخصين داخل السيارة ؟ هذا هو أول تساؤل سيفكر فيه القارئ ..

أول درس صحفي يمكن لأي محرر أن يتعلمه ( لا تصدق شهود العيان) ، وأقول لا تصدقهم لكن لا يعني أن تتجاهلهم فمنهم يمكنك معرفة الخطوط الأولية للقصة لكن ذلك لا يعني الاعتماد على كل ماذكروا .

من يعرف قصص الحوادث أو تابع جزء منها يعرف بأن الفضولين أصلا لم يتجمهروا أمام الحادث سوى للحديث عنه للآخرين من منطلق أن السائق (كان يحاول أن يتجاوز بطريقة كذا لكنه تفاجأ بكذا) وغيرها من قصص الإثارة التي يحاولون إضفائها لتبرير (لقافتهم)، جرب يوماً أن تقف بجوار حادث مروري للتو قد وقع واسأل شهود العيان المحيطين بالسيارات .. ستجد إجابات مختلفة وكثيرة رغم أن غالبيتهم لم يشاهدوا الحادث فعلاً لكنهم كانوا فقط متواجدين لحظة وقوعه، كما أن دراسة قرأتها مرة تؤكد بأن شهود العيان الذين تواجدوا في بداية الحدث يتبنون أول رأي يستمعون له كرأي لهم حول ماوقع، فلو افترضنا بأن الحادث المروري وقع في ساعة متأخرة ولم يكن هناك سوى شخص واحد رأى الحادث فعلاً هو من سيروي لأوائل الواصلين من الفضولين ماجرى من منطلق رأيه هو ، بعدها يستغل (بشكل لا إرادي) هؤلاء الفضولين ويتبنون القصة من منطلق كونهم (شهود عيان) ويعرف شاهد العيان هنا لدينا في السعودية بأنه الشخص الذي كان متواجداً في مكان الحادثة قبل وصول سيارات الشرطة أو الهلال الأحمر.

كما أن شاهد العيان عادة يحب أن يضفي على شهادته بعداً آخر يؤكد مهارته في الإطلاع والمعرفة والخبرة ولا يكتفي بمقولة ( لا أعلم .. أو لا أدري) فهو ينصب نفسه عادة كطرف رسمي في الموضوع ، بالأمس القريب اشتعل برج في شمال الرياض لأسباب مجهولة (حتى الآن) علماً بأن الحريق اقتصر على قمة البرج ..ربما الأدوار الأربع العلوية فقط ، لكن من استمع وقرأ في الصحف لشهود العيان يعتقد بأن الحريق وقع في كوكب آخر نظراً للاختلاف الكبير بين الروايات .. منهم من قائل بأنه التماس كهربائي ، وآخر يقول بان الرافعة انفجرت وأحدثت صوتاً سمعه كل سكان الحي، وثالث يؤكد بأنه التقى بالحارس الذي ذكر له بأن بداية الحريق كانت من أعقاب سجائر العمال .. أما شاهد العيان الباحث عن الإثارة الكبرى فقد يؤكد لمن حوله بأن الحادثة كانت نتيجة فعل فاعل وأن الحارس شاهد شخصاً يركض خارجاً من مدخل العمارة .. الخ.

للأسف كثيرٌ من الصحفيين نتيجة ضعف المهنية -غالباً- أو نتيجة الكسل والخمول يميلون للاعتماد كثيراً على شهود العيان في قصتهم الصحفية ومحاولة جمع أكبر عدد من الحاضرين لبناء القصة وتبهيرها بالأخبار المثيرة ذات المفارقات التي تجذب عين القارئ ويقرأ القصة حتى رغم أنها في النهاية تكون مبنية على أسس غير سليمة.

لذلك أقول لكل منتم جديد للصحافة لا تصدق شهود العيان أولاً .. ولا تثق بكل مايقول له المتحدث الرسمي ..

هل يعتزل الكاتب ؟

خلال الفترة الماضية لم يتيسر لي دخول الانترنت من شقتي بشكل متيسر، فمنذ انتقالي عقب زواجي في نوفمبر الماضي اشتركت في خدمة (جو) للانترنت وهي خدمة متواضعة وبالكاد تتيح التصفح فقط وأترك لكم مقارنة ماكنت أتحصل عليه قبل ذلك من سرعة انترنت تصل إلى 20 ميجا طوال الأشهر التي سبقت زواجي، إضافة إلى أن الحياة اليومية تغيرت كثيراً في مرحلة مابعد الزواج لذلك قل تواجدي على النترنت في مرحلة مابعد منتصف الليل وهو الوقت المفضل لي للكتابة.

أقرأ نحو 12 صحيفة يومية بحكم عملي وكنت أنظر باستغراب لقدرة بعض الكتاب على المشاركة بمقال يومي، هذا عمل مضني فكرياً ونفسياً لذلك قلة فقط هم من يكتبون بنفس الرتم والروح والفكر وأعتقد أن صالح الشيحي في الوطن هو أحدهم رغم اختلافي كثيراً في أفكاره وأحياناً في آرائه الغريبة، لكن لا يمنع الأمر بأنه من يجعلني أبدأ بقراءة الوطن من عموده النحيل، فيما كان هناك كتاب كانوا رائعين في زمن ماض لكنهم تراجعوا في السنوات الأخيرة عن أسلوب طرحهم ربما لاختلاف الموقع لكن عبدالعزيز السويد في الحياة هو أبرز هؤلاء .. أحياناً توحي كلماته بأنه يكتب على عجل دون أن يترك مجالاً لكي تنضج فكرته .. ربما لتوزيع الحياة المتواضع وقلة زوار موقعها الإلكتروني لم تعد تولد حافزاً للطرح الساخر الذي عرف به السويد، كتاب آخرون كسعد الدوسري في الرياض تغيرت أفكارهم فجأة خاصة عقب مقاله الذي تبرأ فيه من قصصه السابقة أو اعتذر عن طرحه الأدبي السابق معتبرها إياها بـ (غواية شعر أو نثر) وبعد هذا المقال انطفأ وهجه وبالكاد أصبحت أقرأ مقاله.

صالح الطريقي في عكاظ هو أحد الأشخاص الذين تعجبني أفكارهم وجرأتهم واستقلاليتهم بالرأي طرحه واسلوبه مثالي جداً لكنه في رأيي انساق وراء موجة التقسيم (الليبرالي والإسلامي) فأصبح يكتب أحياناً باسلوب مستفز، الكبير سناً ومكانة خالد القشطيني في الشرق الأوسط كانت مقالاته ملهمة لي حينما كنت في المرحلة المتوسطة والثانوية .. كنت أقصها (أيام الفضوة) وأحاول أن أكتب على وزنها .. طرحه كان أشبه بالمدرسة التي يتعلم منها القراء .. الآن تغير الحال .. حاله وحالي.

رغم ذلك إلا إن الكتابة اليومية تعد بطولة في حد ذاتها وسبق لي أن عشت التجربة قرابة الشهر لكني حتماً لن أعود إليها لإنها إرهاق ذهني كبير وهمٌ يكبس على القلب طوال اليوم .. تخيله وكأنك تعيش اختباراً كل يوم وعليك المذاكرة والاستعداد والعيش في طقوس هذه الأجواء الكريهة التي لا يحبها أحد .

قلة فقط من يمكنه أن يعيش كاتباً متى ماتمكن من ربط خبرة الكتابة مع خبرة الحياة، فيما البقية يتدهور مستواهم وينخفض يوماً بعد يوم حتى تقوم الجريدة بـ(زحلقته) تمهيداً لإحلال بديل عنه، ربما لا يعيش سوى الكتاب المصريون فيما يندر أن تجد كاتباً خليجياً يعمر (كتابياً ومقالياً).

أحياناً تدور عشرات الأفكار في رأسي لكتابة تدوينة لكن بمجرد أن أضع أصابعي فوق الكيبورد تتبعثر وتختلط قبل أن أكمل سطورها الأولى، ولدي مجلد فيه نحو 11 ملف (مفكرة) يتضمن أفكار تدوينات وأدت في مهدها، كنت أقول ربما يأتي اليوم الذي أعلن اعتزالي كما يقوم اللاعبون عادة بذلك خاصة وأن الانسان كلما كبر في العمر كلما تغيرت همومه وأماله وتطلعاته .. وحتى أفكاره .. ، ناهيك عن تغير أوقات فراغه .

طبعا هذه التدوينة ليست تلميحاً بتوجهي للاعتزال لكنه تساؤل لم لا نجد كاتباً يعلن اعتزاله عن الكتابة دام أنه لم يعد بإمكانه أن يقدم جديداً أو حتى مادة جاذبة للقراء.. مالعيب في ذلك؟ أشيد هنا بتجربة جريدة الوطن المميزة في استكتاب وجوه جديدة بين حين وآخر .. هذا الأمر يحي الفكر والورق والرأي أيضاً، لكن الاستمرار بالكتابة بنفس الرتم وأحياناً بمستوى أقل فلا مبرر سوى سوى رغبة الكاتب باستلام المرتب نهاية الشهر .. أما تقديم أي فكر للقراء فذلك آخر همومه وربما آخر هموم الصحيفة خاصة صحفنا التي لا تصدق أن تجد كاتباً لايسبب لها أزمات .. مابعد الخط الأحمر .

النيوز ويك .. أرجوكم اشتروها ..

ليس مكابرة ولا غروراً، ولكني أقول دائماً لمن حولي بأن لا لأحدٍ فضلٌ فيما بلغته في حياتي، صحيح أن هناك من ساهم بوصولي إلى مقاعد وظيفية لكنها في النهاية هي تسلسل طبيعي لما قمت به في عملي، عموماً حتى لا أبلغ مبلغ المغرور فأقول هناك أمور لا أنسب لها الفضل الكامل ولكني أقول بأنها ساهمت ولو قليلاً في تطور الفقير إلى الله (بالمناسبة أكره هذه الجملة التي يحبها كتاب المقالات .. توحي بالغرور أكثر من التواضع) ، عموما من بين تلك الأمور عدد من المجلات التي كنت أقرأها منذ أن كنت طالباً في الابتدائي ويأتي على رأسها المجلة العربية ومجلة العربي التي كان يحضرها أخي الأكبر كل اسبوع.

في السنوات الأخير أعد وجبة (النيوز ويك العربية) الأسبوعية وجبة تعليمية لا يمكنني الاستغناء عنها، وفي رأيي من المفترض أن تعد جزءاً ثابتاً في منهج أي طالب إعلام أو صحافة أو حتى محب للغة العربية، أعتقد أنها هي الوحيدة التي تمثل الصحافة العصرية الحديثة في كل تفرعاتها، الخبر والتقرير والتحقيق والمقالة .. والحوار، طريقة اختيار العناوين ونهج كتابة القصة أو الخبر وحتى رؤية اختيار الصورة بطريقة غير تقليدية وملفتة للنظر .. عيناك تقع أولاً على جمال الصورة وذكاء مصورها .. ثم الخبر.

ربما هناك من يقول بأن المجلة أمريكية وتوصل وجهة نظر الحكومة الأمريكية بطريقة غير مباشرة، أرد عليه بالقول بأن المجلة شاملة ولا تغطي جوانب السياسة فحسب، بل تغطي الاقتصاد والاجتماع والرياضة أيضاً والسينما، بل أن الجزء الأكبر من مواضيعها السياسة تناقش فيه السياسة الداخلية الأمريكية، بل حتى ولو ناقشت السياسة الخارجية..مالمانع أن نقرأ كيف يفكرون وكيف يحللون .. وماهي نظرتهم تجاهنا.

سبب كتابتي لهذا الموضوع ماتردد من أنباء بأن المجلة التي تطبع نسختها العربية في الكويت (بمطابع جريدة الوطن) تعاني من مشاكل مالية بسبب قلة المبيعات واتجاه الكثيرين إلى مصادر معلوماتية أخرى(انترنت- فضائيات) ، وأنا أقول هنا وجهة نظري بأن المجلات الورقية لن يكون لها أي مستقبل بأي حال من الأحوال(أقول المجلات وليس الجرائد) .. لكن هذا لا يعني أن نقف مكتوفي الأيدي، حتى الآن لم يصدر تصريح رسمي من إدارة المجلة بقرب إيقافها لكن كما ذكرت هي أنباء تطرح وتتداول .. ومرجحة جداً خاصة في ظل تقلص عدد النسخ التي تصل الرياض، في السابق كنت أجد المجلة في محلات (ميد) كل اسبوع بسهولة ، بينما الآن بالكاد أحصل عليها من سوبر ماركت (سيفوي) وفي طريقي للاشتراك حتى تصل إليّ في عملي كل اسبوع حتى ولو كانت بعض صفحاتها ممزقة بأيدي الرقيب.

في أسطري هذه نداء لمن يحب قراءة التقارير والتحقيقات والأخبار باسلوب عصري حديث وجذاب، جرب شراء عدد واحد فقط من المجلة واحكم بنفسك على محتواها، يؤسفني كثيراً بأن أجد بالكاد ثلاث أو أربع نسخ من هذه المجلة على حامل الجرائد في السوبر ماركت فيما المجلات الأخرى ذات القيمة الأدنى تتباهى بأعداد نسخ لا حصر لها .

إذاعة ( رقمها الرمزي ) وإسفاف الذوق

حوسة ودنيا ورقمها الرمزي

للأسف .. كثير ما نعاني في المملكة من ظاهرة الاحتكار في أمور عدة ، ومن بينها احتكار موجات ( FM ) الإذاعية لصالح مركز تلفزيون الشرق الأوسط MBC ، حيث لا توجد إذاعات خاصة باستثناء إذاعي الإف إم والبانوراما الخاصة بالإم بي سي ، إلى جانب الإذاعات الحكومية ذات الإمكانيات المحدودة .
اعتراضي ليس على وجود MBC فقط والتي استفاد ملاكها من دخول السوق الإذاعي في امتيازات قدمت في وقت سابق ، لكني التساؤل هو كمية السطحية التي تملأ الإذاعة بها ساعات البث على مدار اليوم لاسيما الإصرار على الظهور بمظهر الاعلام المادي الذي يبحث عن المادة أولاً وأخيراً ، فليس غريباً أن نستمع مع كل دقيقة جملاً دعائية تطالب بالتصويت للأغنية التي (رقمها الرمزي كذا ) والأمر يتكرر بشكل كبير ومزعج ، بل في إحدى المرات اكتشفت أنها خصصت جائزة للمتصلين تبلغ 500 ريال .. أي جوائز مدارس الروضة والتمهيدي أكبر مما تقدمه هذه القناة لمستمعيها ، بعد كل هذا الاستجداء لاستغلال السطحيين والسذللمشاركة في التصويت لصالح راشد أو خالد أو نوال يكون السحب على 500 ريال !!
نقطة أخرى ، لندعكم تتخيلون الرقم الذي يمكن أن يصل إليه عدد المصوتين إليه في اليوم الواحد ؟ .. 1000 شخص مثلا ؟ ألفين .. ثلاثة ؟ ، لنقل أنه ألفين مصوت يوميا ، عادة قيمة التصويت لا تتجاوز 4 ريالات للرسالة الواحدة ، إذا أبعدنا حصة شركتي الاتصالات والتي تبلغ 50% من مجموع الدخل الذي بلغ في يوم 8000 ريال ، يبقى 4000 ريال ، هناك جزء تأخذه الشركة المشغلة ولنقل بأنه 25% أي (ألف ريال للشركة المشغلة ) ، كل ماسيتبقى لإذاعة الإم بي سي هو ثلاثة آلاف ريال في اليوم الواحد ؟ .. أي مبلغ لا يتجاوز ولا حتى 5% من قيمة نصف دقيقة في الإعلان التلفزيوني ؟ .. لنزيد حصة الام بي سي من الدخل اليومي ونقول بأنها ستكسب 10 آلاف ريال يوميا في أحسن الأحوال.. هل يستحق هذا المبلغ الكم الكبير من بث القناة للتصويت والمشاركة ؟ ، مقارنة بأسعار نصف دقيقة في الاعلان التلفزيوني التي تزيد عن 50 ألف ريال .
كل ماسبق ( كوم ) وسطحية مذيعي القناة (كوم آخر) ، واضح جداً أن اختيار المذيعين والمذيعات يخضع للواسطة حقيقة ، فلا يوجد أي صوت إذاعي يمكن الإشادة به واحترامه مقارنة بإذاعات الإف إم التي نسمعها في دول الخليج ، أستثني منهم مذيعتي قناة البانوراما (بتريسيا ونولا) واللتان تملكان كاريزما وصوت وثقافة وروح لا يمكن مقارنتها أبداً بمذيعي ومذيعات الإم بي سي .
أتحدث عن تسطيح الفكر والذوق بأغان سطحية ؟ .. هناك عشرات الأغاني الطربية والراقية والمميزة إلا أن هذه الإذاعة تبحث وتعيد الأغان التافهة عشرات المرات في اليوم الواحد ، لعلكم تتذكرون كيف كانت أغنية التاكسي تتكرر بشكل ربما يكون كل ساعة ، بينما حولت إذاعة البانوراما التي بدأت البث بالأغان الطربية والراقية من فيروز لميادة لكاظم .. إضافة إلى الأغان الكلاسيكية القديمة لوردة وأم كلثوم وفايزة أحمد وحليم .. حولت الإذاعة في نهار واحد بعد اجتماع دام ساعتين لتصبح مثل شقيقتها وتبث لنا غثاء الفكر ورداءة الصوت من مطربين على شاكلة إيهاب توفيق وثامر حسني وهيفاء ومنهم على شاكلتهم .
للأسف مع ازدحام شوراع الرياض وسوء التنظيم المروري والتخطيطي لشوارعها ، أصبحنا نقضي ساعات طوال في قضاء مشاويرنا اليومية ، ولا أستبعد أن يصل معدل الشخص اليومي في سيارته لنحو ساعتين ، من المؤكد بأنه سيمل من الاستماع لسيدي سيارته وسيفضل التجول في الإذاعات .. لكننا للأسف مجبرين على سماع إذاعة واحدة .
يجب فتح الأجواء للقطاع الخاص لاقتحام موجات الإف إم وفق تنظيم محكم تشرف عليه وزارة الإعلام بما فيها الإذاعات الدينية حيث لم تعد إذاعة القرآن الكريم قادرة على استقطاب هذا الكم الهائل من المستمعين .. لنتخيل أن لقناة المجد موجة .. سيكون هناك فارق كبير ، كما سيكون هناك مجال لفتح إذاعات حوارية ثقافية ، بدلاً من إذاعات يضيع وقتها بإهداء من ( محمد لنورة وأصدقاء الاستراحة) ، وإهداء من لطيفة لزوجها المسافر وإهداء آخر من دلوعة جدة لدلوعات الرياض .

عندما أعود للبيت وأتجول في المدونات وأقرأ الأفكار والآراء والأطروحات الرائعة والمميزة .. أنظر للسنوات المقبلة ولمجتمعنا بتفائل ونظرة وردية كما يقولون .. ، عندما أخرج وأستمع للمداخلات السطحية والإهداءات الغبية في الـ MBC أنظر للمستقبل نظرة تشاؤمية .. هل هؤلاء فعلاً يمثلون مجتمعنا ؟