الفكرة ليست ملكاً لأحد

 

دائماً ما أسمع بين الزملاء والأصدقاء بأن أحدهم يملك فكرة موقع أو تطبيق (يكسر الدنيا)، ويأخذ وقته في البحث والتجربة والسؤال دون أن يبلغ الطرف الآخر فكرته خوفاً من السرقة، وكأن الفكرة الفريدة هي الطريقة الوحيدة للنجاح، بينما النجاح الفعلي هو التطبيق الصحيح، ولو كانت فكرة خلاقة ومبتكرة إذا نفذت بشكل سيء فمن المؤكد أنها ستفشل.

لا تجعل الفكرة حبيسة في عقلك متى ماكنت قادراً على إظهارها للنور، أقول مثل هذه الكلمات وأنا أتصفح أرشيف خدمة (جوجل كيب) والتي أجمع فيها أفكاري، وجدت فكرة كنت متحمساً لها وقت ماكنت أعمل في الجريدة وهي انتاج برنامج يوتيوب باسم دارج وفكرة معروفة تطبق في كل مكان لكنها لم تبرز بالشكل المطلوب هنا وهي (التوب 5)، كنت أرجو القيام بمحتوى محلي بالكامل من العاصمة الرياض.

وقت تجميع العناوين والنقاط تأخرنا كثيراً في التنفيذ باعتبارات داخل الجريدة كالتكلفة وخلافه، طال الأمد في إطلاقه رغم مقابلة الشركات وحتى الأفراد، وحين الإقترب من نقطة الصفر، تفاجئت بأن شركة تلفاز المتخصصة في برامج يوتيوب أطلقت برنامجها بنفس المسمى .. وبالتالي لا يمكن لنا في الجريدة أن نقدم الفكرة ذاتها بعدهم مباشرة.

المقصد أن الفكرة التي في رأسك – حتى ولو أنها معروفة ومشهورة في كل دول العالم – ثق ثقة تامة بأن هناك آخرين مرت عليهم أو بدأوا في التخطيط لها وربما كانوا أفضل وأسرع منك، ولا تعتقد مهما كانت فكرة جديدة أو معقدة بأنها ستبقى معك (في جيبك) معتقداً بأنك (جبت الذيب من ذيله) وتنتظر تعميداً لشركة محترفة أو موافقة مديرك.

 

 

وبالمناسبة .. الرياض هذه المدينة الضخمة لا زالت تفتقر لمحتوى محلي خاص بها – تصويراً – وليس اعتماداً على صور أرشيفية أو مقاطع فيديو منوعة .. يكفي فقرة البيوت المهجورة والتي أتمنى لو أستطيع تصويرها بنفسي 🙂

أربع شخصيات عليك أن تتابعهم في سناب شات

qaz

يعجبني سناب شات في تقديمه لوجبة مختصرة يمكنك مشاهدتها في أوقات فراغك، ولعل ما يحببني فيه أكثر أن المقاطع فيه قصيرة ومختصرة والخدمة سريعة لا تحتاج إلى تحميل دائم مثل (انستغرام)، والأروع أنه يمكنك تجاوز المقاطع التي لا تعجبك بسرعة بضغطة زر، وبالتالي فإن الإطلاع على شبكة اجتماعية بشكل سريع مقارنة بتويتر وانستغرام أمر رائع خاصة عندما تقترن فيه المعلومة بالابتسامة.
للأسف كثير من مستخدمي سناب شات لا يستطيعون تجاوز مفهوم (الأنا) ويعتقدون أن الخدمة هي تسويق لأنفسهم وأن ذلك أمر يحبب الآخرين فيهم، بل أن بعضهم عندما يجري حواراً يضع الضيف خلفه بطريقة تضمن أنه سيخرج في الصورة فيما لو انتشر المقطع، رغم أنه يستطيع عمل اللقاء وجهاً لوجه بأن يحمل الجوال ويصور الضيف أمامه .. هذه الحركة (ترفع ضغطي)، ولا أقل منها من يبحث عن ربع مؤتمر ليذهب ويغطي ويصور الآخرين الذين يشبهونه فكراً من منطلق (شوفوا ميييييين شوووووفت الييييييوم) ، أعلم بأنك ستقول لي ليه (ليه تتابعهم ؟) .. بالضبط فلم أعد أتابعهم .

هذه قائمتي الجميلة التي أحرص على متابعة جديدها، كما أتابع عدداً من الشخصيات العامة والأصدقاء الأعزاء لكني قلصت الإختيار إلى خمسة لا علاقة بالأفضلية في ترتيبهم:

*هادي فقيه hadifq : هذا الشاب الذي يدرس التسويق في إحدى جامعات أمريكا يملك أسلوباً جميلاً في الحديث المبسط، رغم أني لا أحب الاقتصاد ولا التسويق إلا أن طريقة عرضه رائعة وسلسة، ودائماً ما يتضمن حديثه نقاطاً جديدة بالنسبة لي (ليست تقليدية)، حقيقة تعلمت الكثير من سنابات هادي وكل يوم يبهرني أكثر بتعاطيه لفكرة مختلفة، والأجمل من ذلك كله أنه لا يشغلك بالمتابعين الآخرين ولا يطلب مشاركاتهم ولا يرد عليهم في بثه العام.

  • ياسر الأحمد yas.ahm :  قد يكون أحد القلائل الذي يشعرك بأنه يعيش في كرة أرضية غير التي نعيش عليها، أو بدرجة أقل يعيش في رياض غير رياضنا، فهو اقتصادي يعمل محللاً مالياً تشاهد سناباته صباحاً في محل القهوة المفضل لديه وبعد الظهر تجده محللأ في قناة العربية، وبعد العصر تشاهد سناباته وهو يلعب الأسكواش أما في المغرب فهو يذهب لزيارة جدته في شرق الرياض وفي المساء يجلس مع أصدقائه، وقبل أن ينام يحدثك عن كتابأعجبه، ياسر (ماشاء الله عليه) شخصية موسوعية جمع الاقتصاد والثقافة الأدبية والرياضة في شخصية واحدة خلوقه وساخرة أيضاً، قابلته في بودكاست أطياف في حوار استمتعت به كثيراً.

  • أبوحش abo_7sh : كلما ضاق صدري وتكدر خاطري لأي أمر، فقط أصبحت أحتاج لأفتح سناب شات وأطالع جنون هذا الشاب، يمكنك وصفه بكل ماتشاء فارغ .. سطحي .. مجنون، لا يهمني كل ذلك دامه يضحكني ويدخل السرور في قلبي، كل الملايين التي صرفها التلفزيون السعودية على فايز المالكي وحسن عسيري وأشباههما لم تضحكني أبداً كما يضحكني هذا الشباب المجنون، أستغل فترة الزحام الطويلة أمام الإشارة خاصة التي يوجد فيها عداد أستطيع أن أقتنص سنابات أبوحش لأنسى هذا الزحام وأضحك بصوت عالي.

  • أبوحمدان warchieff : أيضاً هو من القلة التي يضحكوني، لديه حس ساخر ومبتكر لا يشبهه أحد، سناباته دائمأ جديدة وأفكاره متغيره رغم أن شخصيته التي يظهرها بأنها (سطحية) لاتزال ساخرة، لو كان الأمر بيدي لأنتجت مسلسلاً قصيراً له مع صديقه الكويتي الذي يدرس معه في الجامعة، والاستفزازات التي يقولها له الحمدان كل يوم باللهجة الكويتية، يكثر من الدعاية (وهو أمر من حقه) لكن تجاوزها سهل مع السكيب السريع .

 

بالمناسبة أشكر تطبيق (موجز) الرائع الذي يعيدني إلى السنابات القديمة .. أنصحكم به 🙂 .

 

صدفة المصيبيح الجميلة

أحمد المصيبيح في حفل زواجي

الصدفة هي سيدة الحياة، عن نفسي دائماً ما تحدث تغيرات كبرى في حياتي نتيجة “الصدفة” .. دون تخطيط أو تفكير مسبق، وأنا أتجول في صوري القديمة ومنها هذه الصور التي تجمعني بأحمد المصيبيح في حفل زواجي قبل نحو 6 سنوات، تعود بي الذاكرة إلى الزيارة الأولى لي لمبنى جريدة الرياض بحي الصحافة في مطلع العام 2000 مع الصديق سعد الهويدي رسام الكاريكاتير، وكنت وقتها مع بدء الانترنت في السعودية أنوي تصميم موقع عن الرياضة السعودية واحتاج إلى صور تاريخية قديمة، زرت مبنى الجريدة ورفض موظف مركز المعلومات حينها منحي الصور بحجة منع إخراجها من مبنى الجريدة، وكان المقترح أن يطلبها القسم الرياضي بالجريدة كما لو كانت لمادة تحريرية .. ثم أطلب الصور من القسم وهو إجراء أسهل خاصة أني سأعيدها في اليوم التالي بعد نقلها لجهازي.
أذكر تلك اللحظة تماماً وعمري حينها لا يتجاوز ربما 22 عاماً، قال الموظف اطلبوا الصور من مدير التحرير أحمد المصيبيح، وكانت اسم المصيبيح بالنسبة لي علم كبير خاصة أنني أقرأ مقالاته وأشاهد تحليلاته في قناة آرتي سابقاً، كما أني كنت أراسل صفحة القراء الرياضية بالجريدة وأراسل أيضاً زاوية عواكيس عدة مرات.

تفاصيل المشهد أذكره تماماً كما لو كان البارحة، كنت إلى حد ما أرتجف رهبة من المكان وأنا أشاهد الصحافيين يتنقلون بين الأقسام وبأيدهم المواد والصور، اتجهت مع سعد الهويدي – وكان واسطتي – للمصيبيح لاقتراح طلب الصور وتفاجأت بحماس المصيبيح وقتها للسؤال عن الانترنت – الشيء الجديد والمجهول بالنسبة له – وكيف أنني أدرس في تخصص الأدب العربي بالجامعة وأصمم موقعاً إلكترونياً بعد إطلاق الانترنت في السعودية في أشهره الأولى كان يسأل كثيراً عني وعن آلية الاستفادة من الشبكة في العمل التحريري، وأذكر أني سعدت جداً عندما عرفته بنفسي وقلت بأني شاركت بنحو أربع مقالات في صفحة القراء الرياضية .. عرفني بسرعة وأشاد ثم أشار لبقية الزملاء في المكتب بصوت مرتفع (هذا السويلم اللي يراسلنا في القراء) ..

الصعقة المفاجئة .. أنه قال وسط حديثه السريع (اترك عن المواقع وتعال اشتغل معنا) .. انعقد لساني وقتها ولم أعرف كيف أجيب، ولم أكن أدرك وقتها مفهوم العمل الجزئي لأني كنت أدرس، وافقت ودارت الأيام بسرعة بشكل أكثر مما كنت أتخيل وأصبح لي مكتب في الجريدة .. لكني لم أعمل وقتها في القسم الرياضي إلا في العام 2003 وكان حينها المصيبيح قد ترك القسم الذي ترأسه الاستاذ سليمان العساف والذي كان له فضل علي لا ينسى وسأتحدث عنه في موضوع آخر، قضيت السنوات الثلاث الأولى في قسم الانترنت في الجريدة منفذاً إلكترونياً أحول الصفحات الورقية إلى النسخة الإلكترونية، وكنت أتحمس لتغذية القسم الرياضي بمواد من الانترنت خاصة في أخبار المدربين واللاعبين الأجانب الذين تنقل عنهم المواقع العالمية أخباراً كانت بعيدة عن الصحف السعودية .. وكنت أقتنص المهم منها ليكون سبقاً صحفياً على المستوى المحلي.

الأيام مضت بسرعة وهانحن على مقربة من العام 2016، ستة عشر عاماً من السعادة والحب قضيتها في جنبات جريدة الرياض .. كان الفضل بعد الله في كل ذلك إلى هذه الزيارة السريعة التي لم تتجاوز 5 دقائق مع أحمد المصيبيح .. لتغير لي كل شيء.

هو استاذ ولن أنسى له هذا الفضل، وبالمناسبة علمت لاحقاً بقدرة المصيبيح على استقطاب غيري للجريدة ومنهم من أصبح في مناصب قيادية .. وهذا يعكس بعد النظر 🙂

هل سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه وسائل الإعلام ؟

من أكثر اللحظات التي تثير حنقي حينما أرى متطفلين على الإعلام وهم ينظرون في مستقبل الصحافة والقنوات الفضائية رغم أنه لم يمارسوا العمل الصحافي يوماً، فهم لا يعرفون حتى كيفية تجهيز وإعداد صفحة من الألف إلى الياء، ولم يكتبوا أخباراً أو تقاريراً أو حتى يقومون بتغطية ميدانية أو رحلة خارجية، ورغم ذلك تجدهم في كل مؤتمر يهيمون وينظرون.

 

ليس لأنني أكملت ستة عشر عاماً في العمل في مؤسسة إعلامية (رجعنا على طير ياللي يالشايب)، ولكن للحق يجب أن يكون الرأي صادر عن ممارسة واطلاع ومعرفة بالأرقام والمعاناة أيضاً التي تعانيها الوسائل الإعلامية بمختلف توجهاتها.

 

نظرتي سوداوية، فالورق الآن على المستوى المحلي يمكننا أن نقول بأنه  شبه انتهى تقريباً وهو أمر أسرع من كل الدراسات المتوقعة، أتحدث عن المبيعات وليس الإشتراكات، من النادر أن تجد نسخاً تباع في سلة الصحف داخل البقالة المجاورة، بل أصبح من النادر جداً وغير المألوف أن تجد زبوناً يقف أمام الصحف ويختار واحدة .. بل حتى بعض الصحف تشهد أخطاء فادحة وفادحة جداً ولا يصبح له تأثير لأن الناس لم يقرأوا النسخة الورقية وأصبحوا يعتمدون على مواقع الصحف الإلكترونية التي تشهد غالبيتها تراجعاً ليس في المحتوى فحسب بل في طريقة وعرض وتصميم الموقع، ربما الصحف الناجحة إلكترونياً لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة – أتحدث هنا عن الصحف العائدة لمؤسسات صحافية – ، بينما الصحف الإلكترونية وإن سجل بعضها أرقاماً كبيرة في الزوار إلا أنها دون المستوى ودون تأثير في الرأي أو التقرير، ومحلياً لا أذكر صحيفة إلكترونية واحدة تستحق الإحترام رغم أن عثمان العمير حاول في إيلاف ولكن توجهها الدولي قلل من انتشارها محلياً، الغالبية منها تسرق الأخبار عياناً جهاراً وتسرق معها الصور أو تعتمد عناوين الصحف الرخيصة.

التلفزيون أصبح مقتصراً على برامج الترفيه أو المباريات، لفت نظري في حديث مع أحد الأصدقاء الذي يعمل في قناة إخبارية – معروفة – بأنه لم يعد متحمساً لكتابة تقارير إخبارية إحترافية خلال النشرات من منطلق أنها لم تعد تشاهد،   في السابق إذا خرج وجهك فقط خلف أحد ضيوف القناة الأولى ربما يشاهدك وقتها نصف سكان السعودية، الآن قد تخرج ضيفاً في برنامج أو لقاء وتترقب ردود الفعل لكنها لا تصلك لأن أحداً لم يشاهدك .. إلا من رحم ربي.

 

هذه التغيرات ملحوظة ونحن نعيش في 2015، فكيف سيكون الحال في 2020 مثلاً ؟ الناس أصبحت تشاهد التلفزيون بنظام – تحت الطلب – ، فإما تشاهد مسلسلاً أو فيلماً عبر الانترنت، أو مادة منقولة على يوتيوب، فقط المباريات هي التي تجبرهم على الحضور والمشاهدة كبث مباشر.

 

برامج المحادثة الآن كالواتس آب وغيره أصبح تكسر كل قوانين البث وحقوق الملكية، جهة إعلامية ما تدفع الغالي والنفيس لقاء نشر حلقة من برنامج على يوتيوب يكلفها ربما 200 ألف ريال في الحلقة الواحدة بغية رفع سقف المشاهدات وبالتالي زيادة قيمة الإعلان، تجد هناك من يقوم بتحميل العمل ونشره في الواتس آب وغيره وبالتالي لا تسجل تلك كمشاهدات يستفيد منها صاحب العمل نفسه.

 

مؤسسة صحافية تدفع مرتباً لكاتب مرموق لقاء 20 أو 25 ألف ريال شهرياً نظير مقال يومي أو اسبوعي تزيد به شعبية موقعها وعدد متصفحيه، بمجرد نشر المقال تقوم عشرات الموقع الإعلامية الأخرى بنقله إضافة إلى نقله كصورة – وليست كرابط – في تويتر أو فيس بوك .. بالتالي الجهة التي تكفلت بالمرتب لم تستفد أي شيء وهو مايؤثر عليها لاحقاً .. تدفع مرتبات كبيرة دون عائد، الشيء ذاته ينطبق على الكاريكاتير وقس على ذلك.

 

عدد من يقرأ .. يتناقص عاماً بعد آخر، وعدد من يشاهد التقارير والبرامج المطولة لم يعد مؤثراً، أصبحت المعلومة والمادة والخبر المعلب – بفضل الشبكات الاجتماعية – هدفاً بحد ذاته، والعاملين بالصحف يعون كمية ردود الفعل التي تنتج عن قراءة العنوان فقط – أي أن القارئ لم يقرأ النص -، فالقراء الجدد يقرأون العناوين ويشاهدون الصور وبالكاد يتوقفون عند مادة تعجبهم.

الوسائل التي ستبقى، إما التي تكون مدعومة من جهة أخرى سواء من قبل حكومة أو من قبل جهة خاصة – رابحة – لكنها تبحث عن ذراع إعلامي مساند، فشركة المملكة مثلاً العائدة للأمير الوليد بن طلال ستحتاج إلى ذراع إعلامي مساند سواء كقناة أو صحيفة .. وهلمجرا.

في توقعي أن السوق الصحافي في السعودية يترقب انسحاب صحيفتين، فبعد انتهى عمر المجلات بشكل شبه رسمي .. الدور على الصحف شيئاً فشيئاً، ستبقى المؤسسات الإعلامية السعودية الكبيرة تعمل اعتماداً على مواقعها الإلكترونية لكنها لن تحقق الأرباح الخيالية التي كانت تحققها قبل 2015.

صناعة الترفيه ستكون هي الهدف الأول والأخير مستقبلاً .. سيغيب الخبر ولن يهتم الناس بالرأي.

إعلامٌ لا يمثلني

يضيق صدري أحياناً وأنا أتابع المواقع الإعلامية أو الصحف اليومية، تأثير استقطاب الزوار الإلكترونيين أصبح الفيصل الآن، كلٌ يبذل جهده قدر مايستطيع رغبة في الحصول على أكبر عدد من الزوار وانتشار الروابط في كل الشبكات الإجتماعية.

هذا التأثير الحاصل والذي يقضي بأن (الترافيك) سيد الموقف حول الإعلامي إلى الصف الثاني بعدما كان يتصدر المشهد، وأصبح التقني الآن قائداً للعملية وموجهاً لخط سيرها .. هل تريد زيارات وإعلانات ورفع مايسمى بـ (الرانك ) .. إذن عليك أن تتجه نحو العناوين ذات الروح الصفراء والإثارة قدر الإمكان في التغريد ونشر الرابط.

لا أخفيكم بأن هذا الأمر أصبح هاجساً بالنسبة لي، رغم سهولة الأدوات الإعلامية الآن إلى أن التوجه للصحافة الجادة والعمل الإعلامي المشرف أصبح نادراً، صحيفة مثل الشرق الأوسط تعد مدرسة في الصياغة والعناوين والأساليب تئن من هجر المتصفحين لموقعها، الموقع العربي لبي بي سي التي كانت تصنف يوماً بأن الجامعة الإعلامية الكبرى التي يجب لأي إعلامي أن يصطبغ قلمه بنهجها أصبح موقعها ربما يمر أيام وأسابيع دون أن ترى أحداً نقل عنها مقالاً أو مادة صحافية.

أصبح الهاجس الآن في عناوين (أحلام تهاجم راغب علامة) .. و (أسطورة الكرة بين ماجد وسامي) .. وغيرها من المواد التي لا تشبع ولا تغني من جوع سوى بأنها تستقطب (كلك) من زائر أو تويتة من آخر، والعدوى انتقلت للوسائل الأخرى فلا يمكن أن تجد سعودياً راضياً عن طرح الإذاعات (الماسخ) أو القنوات العربية المتنوعة رغم محاولات شبكة الجزيرة.

هل الآن متجه نحو الأسوأ ؟ في اعتقادي نعم .. سنتجه نحن الأسوأ نظراً للانفتاح الكبير الذي ولدته شبكة الانترنت، والدخلاء على المهنة الذين لم يتدرجوا يوماً في أعمالها .. لكن السؤال الأهم هل ذلك سيستمر ؟

بكل تأكيد لا .. ، سيعلم الناس يوماً أن التعاطي الإعلامي بهذا الشكل غير مجدي، ستبقى معطيات (الصحافة الصفراء) ولكن بشكل مشابه للإعلام الأمريكي مثلاً .. سيكون هناك إعلام جاد رزين بغض النظر كان محايداً أو لا .. ، السؤال الأهم متى سيكون ذلك ؟

التحليل الأقرب سيكون خلال أعوام قليلة عندما تتورط المؤسسات الصحافية بالإصدار الورقي الذي سيكون مكلفاً دون نتيجة تستحق، وستلتف إلى الأعمال الألكترونية أكثر وقد تحدث نقله حينها

مصير الصحافة الورقية

741

أضحك عندما أفتح شاشة التلفاز أو أقرأ تحليلاً في جريدة أو موقع حول تأثر الصحافة الورقية بالتطورات المستجدة وأن ذلك سيؤدي إلى إيقافها أو تراجعها، ويذهب الكثيرون في تحليل ذلك وأن مايحدث وكأن الأمر فعلاً يحتاج إلى نقاش أو تحليل، القضية منتهية ومحسومة وعندما ترى مثل هذا النقاش فهو في الغالب إفلاس لمعد حلقة يرغب في تقديم فكرة الحلقة على شاكلة .. استمرار الصحافة الورقية بين المطرقة والسندان .. أو بين الحاضر والمستقبل، وغيرها من العناوين التي تقدم عادة للمواضيع المسلوقة.
الآن كلنا على يقين بأن عصر المجلات الورقية انتهى تماماً رغم كل محاولات الإنعاش باستثناء عدد من المنتجات العربية قد لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، في الغالب البقية هي مجلات خاسرة لأهداف (غير تجارية) أو لوجود إتفاقات إعلانية بين أشخاص تتطلب وجود مجلات وهمية تعبأ بمواد إعلانية حسب إتفاقات.
إذا جزمنا بتوقف الصحف الورقية عاجلاً أم أجلاً، فأنا أتقبل مفهوم النقاش حول توقيت ذلك، كثيرون يعتمدون في حديثهم على النتائج الغربية والدراسات في هذا الجانب، وهذا أمر في الغالب غير منطقي، فمحتوى تلك الصحف من الناحية المهنية واهتمامها بالقارئ وسقف الحرية العالي الذي يتيح لها نشر مايوده الناس فعلاً وليس مايفرض عليها سيفتح أمامها الأبواب للاستمرار، ناهيك عن العدد الهائل للصحف الورقية الذي يحتم عليها التوقف أمام المد وخذ مثالاً على ذلك في بلدة صغيرة اسمها (سانتا باربرا) في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، عدد سكانها مئة ألف نسمة فيما يصدر فيها ثمان صحف يومية وصحيفة اسبوعية.
التطور التقني يسير بسرعة الصاروخ، وأنا شخصياً ضد كل الدراسات التي تقول بأن المد الإلكتروني سيوقف الصحف الورقية في 2030 أو نحو ذلك، وجهة نظري أن الأمر لن يتجاوز السنوات الخمس المقبلة، ستبقى أعداد الورق تطبع ولكنها أقرب ماتكون إجراء شكلي يقصد به الاستمرار، وإلا كل الإعلانات والتسويق والتغطيات الخبرية ستكون مخصصة للموقع الإلكتروني.
وهذا امر إيجابي بلاشك خصوصاً وأن وضع مايسمى بـ (الصحافة الإلكترونية) لدينا في السعودية واقعه مزري ومتدني جداً باستثناء تجربتين أو ثلاث، فيما البقية لم تستطع أن تحجز لها موقع اهتمام شعبي إلا باخبار الإثارة (تغطية الجرائم وأعمال الهيئة) وهذا الأمر سيكون إيجابياً لاستمرار المؤسسات الصحفية في الانتقال مع انتقال الفئة العمرية للمجتمع.
هل أنا متفائل بمستقبل العمل الصحفي ؟
المنافسة الشرسة وتطور الصناعة الإعلامية في العالم تقدم بشكل كبير، هذا يدفع بأن العمل سيتقدم للأمام بفضل ارتفاع مستوى الطرح الناتج عن دخول الانترنت في كل تفاصيل حياتنا، لم يعد بالإمكان السيطرة أو التوجيه، إن منعت هنا ستقرأه هناك، صحيح أن مخرجات أقسام الإعلام سيئة أو أقل من المتوسط (في الغالب المميزون يتجهون للعمل خارج الصحافة) إلا أن المنافسة الحقيقية ستجبر على التعامل بمزيد من الاحتراف، كنت في السابق تنقل المؤتمر الصحفي بعد تفريغه بساعة أو ساعتين وترسلها لجريدتك .. الآن وبفضل المنافسة عليك أن تنقل أبرز مافي المؤتمر بشكل مباشر، الخبر العاجل إن تأخرت في نشره دقيقتين أو ثلاث ستكون وسط معمعة هذا التنافس بطيء وخارج نطاق التغطية.
النقلة الإلكترونية ستكون في صالح هذه المؤسسات متى ما أحسنت إدارتها، وفي رأيي أن الأرباح ستكون أكثر لوجود منصات كثيرة للإعلان مع قفزة الشبكات الإجتماعية سيما يوتيوب.
أخيراً أقول ارصد تعاملك مع الصحف الورقية وصور نفسك وأنت تقرأ، ستكون لهذه الصور قيمة بعد عشر سنوات حينما تتداولها مع أبنائك .. انظروا لأبيكم وهو يقرأ الصحيفة الورقية ذات الحجم الكبير .. وسينتهي الحديث بضحكات حتماً على الماضي الجميل.

درس أول : لا تصدق شهود العيان

 

بين ناظري الآن كاريكاتير جميل للرسام عبدالسلام الهليل، الرسم كان لشخصين يتحدث أحدهما للآخر وهو يقرأ خبراً من جريدة يحكي قصة بمقتل رجلين إثر حادث سيارة .. وفي تفاصيل الخبر يشار إلى أن قائد السيارة كان ينوي أكل موزة فما كان من زميله الذي كان بجانبه سوى خطفها منها ومن ثم حدث عراك بينهما على (الموزة) حتى اختل توازن السيارة واصطدمت بحاجز اسمنتي أدى إلى إنقلابها ومقتل من فيها.

كيف عرفت الصحفي بتفاصيل القصة ؟ نسبها إلى شهود عيان كانوا متواجدين لحظة وقع الحادث، لكن غاب عنه سؤال .. كيف عرفوا بالحوار الذي دار بين الشخصين داخل السيارة ؟ هذا هو أول تساؤل سيفكر فيه القارئ ..

أول درس صحفي يمكن لأي محرر أن يتعلمه ( لا تصدق شهود العيان) ، وأقول لا تصدقهم لكن لا يعني أن تتجاهلهم فمنهم يمكنك معرفة الخطوط الأولية للقصة لكن ذلك لا يعني الاعتماد على كل ماذكروا .

من يعرف قصص الحوادث أو تابع جزء منها يعرف بأن الفضولين أصلا لم يتجمهروا أمام الحادث سوى للحديث عنه للآخرين من منطلق أن السائق (كان يحاول أن يتجاوز بطريقة كذا لكنه تفاجأ بكذا) وغيرها من قصص الإثارة التي يحاولون إضفائها لتبرير (لقافتهم)، جرب يوماً أن تقف بجوار حادث مروري للتو قد وقع واسأل شهود العيان المحيطين بالسيارات .. ستجد إجابات مختلفة وكثيرة رغم أن غالبيتهم لم يشاهدوا الحادث فعلاً لكنهم كانوا فقط متواجدين لحظة وقوعه، كما أن دراسة قرأتها مرة تؤكد بأن شهود العيان الذين تواجدوا في بداية الحدث يتبنون أول رأي يستمعون له كرأي لهم حول ماوقع، فلو افترضنا بأن الحادث المروري وقع في ساعة متأخرة ولم يكن هناك سوى شخص واحد رأى الحادث فعلاً هو من سيروي لأوائل الواصلين من الفضولين ماجرى من منطلق رأيه هو ، بعدها يستغل (بشكل لا إرادي) هؤلاء الفضولين ويتبنون القصة من منطلق كونهم (شهود عيان) ويعرف شاهد العيان هنا لدينا في السعودية بأنه الشخص الذي كان متواجداً في مكان الحادثة قبل وصول سيارات الشرطة أو الهلال الأحمر.

كما أن شاهد العيان عادة يحب أن يضفي على شهادته بعداً آخر يؤكد مهارته في الإطلاع والمعرفة والخبرة ولا يكتفي بمقولة ( لا أعلم .. أو لا أدري) فهو ينصب نفسه عادة كطرف رسمي في الموضوع ، بالأمس القريب اشتعل برج في شمال الرياض لأسباب مجهولة (حتى الآن) علماً بأن الحريق اقتصر على قمة البرج ..ربما الأدوار الأربع العلوية فقط ، لكن من استمع وقرأ في الصحف لشهود العيان يعتقد بأن الحريق وقع في كوكب آخر نظراً للاختلاف الكبير بين الروايات .. منهم من قائل بأنه التماس كهربائي ، وآخر يقول بان الرافعة انفجرت وأحدثت صوتاً سمعه كل سكان الحي، وثالث يؤكد بأنه التقى بالحارس الذي ذكر له بأن بداية الحريق كانت من أعقاب سجائر العمال .. أما شاهد العيان الباحث عن الإثارة الكبرى فقد يؤكد لمن حوله بأن الحادثة كانت نتيجة فعل فاعل وأن الحارس شاهد شخصاً يركض خارجاً من مدخل العمارة .. الخ.

للأسف كثيرٌ من الصحفيين نتيجة ضعف المهنية -غالباً- أو نتيجة الكسل والخمول يميلون للاعتماد كثيراً على شهود العيان في قصتهم الصحفية ومحاولة جمع أكبر عدد من الحاضرين لبناء القصة وتبهيرها بالأخبار المثيرة ذات المفارقات التي تجذب عين القارئ ويقرأ القصة حتى رغم أنها في النهاية تكون مبنية على أسس غير سليمة.

لذلك أقول لكل منتم جديد للصحافة لا تصدق شهود العيان أولاً .. ولا تثق بكل مايقول له المتحدث الرسمي ..