أدمغة مسروقة

كنت إلى وقت قريب أفكر كيف تسلوب عقول الإرهابيين بكل سهولة ليكونوا أداة بأيدي آخرين يحركونهم كما شاؤوا حتى ولو بلغ الأمر إلى مطالبتهم بالإنتحار، كنت أعزي ذلك دائماً إلى أن هؤلاء في الغالب مرضى نفسانيين ويعانون من مشاكل عقلية وليسوا أسوياء، ولو كانت ثقافة الإنتحار متداولة لدينا لوجدتهم قد قفزوا من أعلى البنايات أو رموا أنفسهم من الجسور.
غير أن نظرتي تغيرت كثيراً بعد بحثٍ وتقصي في مذاهب أخرى أصبحت – بفضل التقنية – قريب منها بداعي الفضول والإطلاع، فوجدت كثيراً من هؤلاء لا يختلفون عن كثيراً عن سابقيهم، تسرق أدمغتهم بأفكار غير منطقية على الإطلاق ولا يمكن حتى أن تقبل بها.
في برنامج تيلغيرام الشبيه بالواتس آب، هناك مايسمى بـ”البوتات” وهي غرف محادثة شبيهة بفكرة المجموعات البريدية، اشتركت في ثلاث منها لمذاهب أخرى، ووجدت العجب العجاب .. كنت أقول هل أتباع هذا المذهب أيضاً مساكين ومرضى سلموا عقولهم لآخرين ؟ أبداً لا يمكن ذلك.
قال تعالى: ” ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )، هذه الآية التي نزلت على الرسول الكريم في حجة الوداع وأجمع عدد من الصحابة بأنه لم ينزل بعد هذه الآية شيء من الفرائض ولا تحليل شيء أو تحريمه وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعش بعدها سوى 81 ليلة.
لم أكن مطلعاً على كثير من المذاهب ولست من هواة التبحر والبحث عن مالدى الآخرين – متى ماتيقنت بأنهم ليسوا على صواب – هذا قرارهم ولديهم مطلق الحرية في اختياره، غير أن الاقتراب منهم بهذا الشكل ووجود الملايين الذين يعتقدون الاسلام بمناهجهم أمر ملفت للنظر، علماء وخطب وأناس متبحرين في التاريخ الإسلامي وقريبين جداً من حفظ كل سيرة الرسول ثم يقررون بعد ذلك اتباع هذا النهج الخاطئ، بما فيه من تقديس شخصيات أخرى سواء كانوا صحابة أو تابعين بشكل مبالغ فيه حتى أن هناك من حرف أذان الصلاة من أجله.

بل وحتى إلى وقت قريب كنت أعتقد بأن الخطب التي تنقل من هذا المذهب أو ذاك وتحمل في طياتها أفكاراً مضحكة وساخرة كنت أحسن الظن وأقول بأن المخالفين لهذا المذهب اختاروا الأسوأ أو انتقوا المثير وتناقلوه، لكني بعد تواجد قصير في مجموعاتهم وجدتها هي نفس الخطب التي يتناقلونها فعلاً بكل أفكارها الغريبة وكذباتها الكبرى حول شخصيات بطولية يتابكون من أجلها أكثر مما يتابكون على المصطفى الكريم.

هل نصف هؤلاء أيضاً ونقول أن أدمغتهم مسروقة؟ أم أن الأمر مجرد موروث مذهبي لا أكثر ولا أقل، ينشأ الفتى على تربية أهله والمحيط الذي يعيش فيه ليكبر ويستمر بنفس الأفكار، إذن ماذا عن الإرهابيين ومراهقي داعش هل يمكن أن نصفهم بنفس الشيء .. أي أن مايتلقونه مجرد موروث من الأفكار يتناقلونه فيما بينهم وسط محيطهم .. لا أعلم.

الحمد لله على التثبت ونعمة العقل والإدراك والإستقلال .. خرجت من تلك المجموعات وأنا أحمد ربي كثيراً.

قناة صوتية للشيخ الطنطاوي

الشيخ علي الطنطاوي

كنت ومازلت معجباً بطرح الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله وكتاباته، ونحن نعيش وسط هذه المعمعة من مدعي العلم والغوغائيين الذين ملئوا الدنيا ضجيجاً .. ألجأ إلى أطروحاته وأفكاره التي تعود إلى ماقبل أربعين عاماً وأراها تنطبق على أفكارنا اليوم، لغة الطنطاوي السهلة وأفكاره البسيطة المحببة التي ترغب في النقاش الديني وتجبرك أن تنهل من خبرته الطويلة،وهنا أدعو قراء المدونة إلى محاولة الوصول إلى مؤلفاته الي تتضمن فوائد في أسلوب الكتابة أيضاً فوق العلم الشرعي والفكري.

للطنطاوي برنامجين نور وهداية و على مائدة الإفطار الرمضاني، للأسف المحتوى الصوتي غير مرتب لمحبي الاستماع للشيخ الطنطاوي في السيارة، إضافة إلى أن بعض الحلقات في اليوتيوب لا تتضمن معلومات واضحة عن الحلقة إضافة إلى أن كثير من أجزائها مفقودة، أعلم كثيراً معاناة ناشري تلك الحلقات خاصة وأن المحتوى يملكه التلفزيون السعودي الذي أتمنى يوماً لو سمح بإعادة بثها كاملة.

عموماً حتى لا أطيل عليكم فقد وجدت في فترة العيد أن هناك وقت فراغ لا بأس به قمت من خلاله بإنشاء قناة خاصة للمحتوى الصوتي للشيخ الطنطاوي جمعت فيه حتى الآن نحو 38 حلقة، بعضها قمت فيه بمعالجة الصوت وقص المقدمات والأناشيد وغيرها، والبعض الآخر نشرته مبتوراً حتى إيجاد التسجيل كاملاً.

اخترت نشر القناة على الساوند كلاود https://soundcloud.com/altantawe خاصة في ظل المميزات التي يحظى بها البرنامج وتوفره على كل المنصات المتاحة.

المجال مفتوح لمن يرغب بالمشاركة والنشر متى ماوجد مصدراً آخر للحلقات، لا أدري إن كانت تتوفر لدى محلات التسجيلات هنا أو هي فقط مرتبطة بالتلفزيون السعودي، وسأعمل من طرفي جاهداً على مدها بالمزيد بإذن الله

 

مثقفون … أم مجانين !

اختلفنا مع أفكاره وآرائه أو اتفقنا، يبقى عدنان ابراهيم من الشخصيات المثقفة والمطلعة على شؤون عدة من صنوف الفكر والثقافة والأدب، تابعت الكثير من خطبه ومحاضراته قدر ما أستطيع .. تارة أقول بأن هذا الشخص سيحدث نقلة كبرى في عالم الدعوة والخطاب الديني ثم لا ألبث حيناً بأن أقول عكس ذلك عندما أستمع لرأي غريب أو (شاطح) بمثل ماهو موجود في المقطع أعلاه أو بمقاطع آخرى مثل مقطع الجن والملائكة وغيرها ممن يمكن مشاهدته على يوتيوب.

لا أنوي أن أخصص هذه التدوينة للحديث عن عدنان إبراهيم كشخص، ولكني أود أن أتطرق إلى فكرة عامة بدأت ألحظها وهي الآراء الغريبة التي يمكن لمثقف أو عالم أمضى سنوات عمره وهو غارق بين الصفحات والدفاتر يسجل ويرصد ملاحظاته ويميل لهذا الرأي ويرفض ذاك، مع القراءات والمشاهد عبر يوتيوب كثيراً ما أتوقف عند آراء (شاطحة) وأفكار غير منطقية لا يمكن لعقل طفل تقبلها فكيف بعقل رجل رشيد أفنى عمره بين الكتب ومجالس العلم.

تويتر نقل لنا الكثير من الآراء الشاطحة لهولاء، ولا أخفيكم بأني بدأت أعيد النظر بأن مفهوم كثرة القراءة والإطلاع وحضور مجالس الثقافة تعكس بأن الشخص سيكون شخصاً رزيناً ومتفهماً وعاقلاً، بعيداً عن الخلافات المذهبية مع الأخوة الشيعة إلا أني أصدم كثيراً بفكر علمائهم ومدى رؤيتهم لعلاقة الرسول الكريم مع صحبه وأزواجه .. غير ممكن تقبل مفهوم هجوم عالم عاش بين التفاسير والأحاديث وقصص الغزوات وأحاديث النبي مع صحبه حتى في القرآن .. ومع ذلك كل ذلك لا يعني له شيئاً.

كنا نسمع بأن الفرق بين العبقرية والجنون شعرة، وحقيقة يبدو أن هذا الأمر أقرب للصحة، مع مرور الأيام تعلم يقيناً بأنه (المجانين واجد) حتى ولو قرأوا مئة كتاب .

سعد الغامدي .. أرجوك لا تشارك بتويتر

سعد الغامدي

لا أدري إن كنت أن الوحيد الذي يعاني من هذا الأمر أم لا .. ، منذ فترة ليست بالقصيرة أصبحت أتردد في إضافة شخصية أحبها إلى حسابي في “تويتر”، لا أدري ولكن غالبية من أضفتهم من أسماء كنت أتابعها في مواقعها الأصلية (سواء في الإعلام أو غيره) أصبحت نظرتي تتغير تجاههم خاصة مع الذين يشاركون باستمرار على مدار ساعات اليوم ويعلقون على كل صغيرة وكبيرة.

ولو تحدثنا بشكل أكثر تحديداً عن المشائخ هناك منهم من أصابه (سحر تويتر) والذي يولد رغبة بأن يكون المشارك وسط الأضواء وحديث المشاركين سواء بطرح الآراء غير العقلانية أو المشاركة بهاشتاقات غريبة أو مثيرة تجلب له مزيد من المتابعين وتنشر تغريدته بأكبر قدر ممكن، سنة أو سنتين تقريباً احتاجها هذا الموضوع ليعكس الصورة الحقيقة لوجوه بعض مشاركيه ويجعلهم شخصيات منفرة أكثر، أو يضعف من قدرهم ويقدمهم للآخرين بصورة سطحية مهزوزة وكأنهم لم يكونوا يوماً أئمة للحرم المكي الشريف أو حتى وعاظاً يقدمون دروساً في المساجد والمنابر.

سعد الغامدي ربما يكون أكثر صوت محبب إلى نفسي مؤخراً، أجد في تلاوته سكينة لا يمكن أن أجدها مع أي قاريء آخر إضافة إلى حسن صوته وصفاء مخارج الحروف وطريقة تلاوته الخاصة التي لا يقلد فيها أحداً، ولعل مايزيدني حباً لصوته بأني لا أعرف عنه أي معلومة سوى بأنه قد أم المسجد النبوي قبل فترة، بل حتى صورته التي تراها في هذا الموضوع ملامحه ليست راسخة في ذهني وبالكاد أتذكر وجهه وأنا استمع له.

في الماضي كنا نستمع  .. ومازلنا .. إلى عبدالله الخليفي وعلي جابر وعبدالله خياط والأخير والله لم أرى صورته حتى الآن ولا أعرف شكله لأنه ارتبط معي كقارئ قرآن وإماماً للحرم، أتخيل لو كان هؤلاء يعيشون في زمننا الآن ويشاركون في تويتر ويكتبون في الهاشتاقات ويعلقون على كل صغيرة وكبيرة .. هل سنبقى نحبهم ؟

أختتم حديثي كما العنوان .. سعد الغامدي أرجوك لا تشارك بتويتر

 

نجح ساهر وفشل المرور

ساهر

* قبل كل شيء أحب أن أوضح بأني لم أتلق – حتى اليوم- أي مخالفة من ساهر لذلك سأحاول أن أكون حيادياً .. ولن أمثل دور الضحية أو الجلاد

كانت المملكة ولازالت تتصدر الإحصائيات في أعداد القتلى من الحوادث المرورية وهو أمرٌ ناتج عن أمور عدة يأتي على رأسها ضعف جهاز المرور وعدم قدرته السيطرة على النظام المروري وسانده في ذلك تغييب النقد – بطريقة أو بأخرى- من الوسائل الإعلامية والنقد كما نعرف هو أحد أكثر الجوانب التطويرية لأي جهاز حكومي ولنا في نقد جهاز هيئة الأمر بالمعروف أنموذجاً حيث تغير حالها للأفضل بعد أن عاشت مرحلة فوضوية فيما سبق.

تغييب النقد الإعلامي لجهاز المرور أبقى الحال كما هو عليه حيث لا يختلف الأمر على المواطنين إلا حينما يغير المرور سياراته فيتحدث الناس عن الموديل الفلاني وأنه أقوى من الموديل الذي سبقه أو أجمل .. وأحاديث في ذلك الجانب لا أول لها ولا آخر .

بناء على ذلك جاء نظام ساهر للرصد الإلكتروني بمثابة طوق النجاة لجهاز المرور في محاولة للسيطرة على النظام المروري بالمدينة وأتحدث هنا عن الرياض لأني لا أغادرها داخل المملكة إلا فيما ندر، كمنهج وتوجه كنت ولازلت من أبرز المؤيدين لنظام ساهر، كنت أعتقد بأنه سيعيد الهيئة لشوارعنا التي تحولت إلى حلبات سباق ومسارح فوضوية للشبان صغار السن والعمالة غير المؤهلة.

لكن .. ايييه وصلنا إلى لكن، بعد متابعة ورصد لمخالفات الزملاء والأصدقاء وصلت لمفهوم كنت أقنع نفسي قبل ذلك بأنه غير صحيح لكني اليوم أقول بأنه صحيح مئة بالمئة – كوجهة نظر – ساهر الآن فشل في إقناع الناس بأنه وضع من أجلهم ومن أجل سلامتهم .. ونجح في أن يوحي للناس بأنه جاء لحصد الأموال وفرض النظام بالترهيب.

أتفق فيما لو نصبت كاميرات ساهر في الخطوط الطويلة والتي تكون غالبية الحوادث فيها مميتة أو مؤثرة .. وأتفق مع إجبار قائدي السيارات في الطرق السريعة – الهاي واي- داخل المدينة بأن لا يتجاوزوا 100 كلم في الساعة .. لكن أن تضبط الكاميرات في شوارع فرعية ولسرعات 50 كلم أو في شوارع عامة لسرعة 70 فهو أمر غير منطقي على الإطلاق سيما وأن بعض الشوارع التجارية ذات ثلاث مسارات وفي أجزاء كبيرة منها تكون أشبه بالطرق السريعة – كامتداد شارع التخصصي شمالاً بعد تقاطعه مع طريق الملك عبدالله – فهذا الطريق لن يتوقف بأي إشارة حتى الوصول إلى الثمامة ومابعدها الجنادرية .. أي أشبه بالطريق السريع لكن الكاميرات هناك برمجت على السبعين ! ، الأمر الآخر هو عدم وجود مدى تسامح ولو من باب إحسان النية، فهناك من تلقى مخالفة لأنه كان يمشي 73 بينما السرعة المرصودة هي 70.. تأمل أليس أمراً مهيناً أن تدفع مخالفة سرعة لأنك كنت تمشي 73 كلم ؟ .

وأنت تشاهد الناس يسيرون ببطء بسرعات 60 كلم على طرق شبه سريعة حقيقة أمر مؤثر من الناحية العاطفية لأن الأمر وكأن هؤلاء يقودون سياراتهم في سجن كبير ويخشون جلد السجانين، عن نفسي ألحظ عندما أركب مع زملائي أننا نقطع أحاديثنا كلما اقتربنا من كاميرا أو سيارة واقفة .. الكل يترقب هل سيومض الفلاش أم لا .. وتخيل أن هذا الحال يحدث كل يوم ، أي يصبح الشغل الشاغل لقائد المركبة هو التأمل في كل لوحة ومطابقة السرعة بالنظر إلى طبلون سيارته، هل سأل مسؤول المرور نفسه ماذا سيكون الحال عندما ترفع السرعة إلى 90 كلم مثلاً ؟ هل سيتحول الشارع إلى فوضى وسباق ؟ .. حتى ولو كانت هناك حوادث بسرعة التسعين فهي غالباً حوادث بسيطة غير مؤثرة، ناهيك عن عدم وجود آلية في تقسيم السرعات، فمثلاً لوحددت السرعة القصوى في الشوارع السريعة مثل الدائري والملك فهد إلى 100 كلم والطرق ذات الثلاث مسارات مثل العليا والتخصصي والملك عبدالله إلى 90 كلم والطرق ذات المسارين مثل شارع الثلاثين وموسى بن نصير إلى 70 لكان الأمر مقبولاً والجميع سيعرف القاعدة ويسير عليها ولا يترقب كل لوحة ويندم على تجاوز أخرى لأنه لم يقرأ الرقم، لا أن يكون الحال عليه الآن (امتداد التخصصي أوله 70 كلم وبعد تقاطع الدائري يتحول إلى 90).

جهاز المرور أصبح ينسب لنفسه في وسائل الإعلام نجاح ساهر في تقليل نسبة الحوادث، بينما أي مطلع على نظام القيادة داخل الرياض يعرف أن النظام فوضوي من الناحية النظرية فلا أحد يذكر أنه مُنح مخالفة مرورية إلا في حالات قطع الإشارة أو السرعة، من النادر والنادر جداً أن تجد شخص خولف على موقف غير نظامي مثلاً أو (تعريض) السيارة أمام إشارة المرور أو التنقل بين ثلاثة مسارات مرة واحدة أو دخول دوار دون توقف أو الخروج من شارع فرعي مباشرة لرئيسي.. لذلك مشهد السيارات المتوقفة والمتكدسة فوق الأرصفة وفي الشوارع الرئيسية القريبة من المطاعم أو المستشفيات صار أمراً معهوداً لأن المرور لن يعاقب.. ويمكنك أن تجرب وتتصل على المرور وتخبره بأنك تقف في موقف نظامي لكن هناك سيارة أغلقت المدخل بطريقة غير نظامية .. وتأمل الرد المحبط.

أختتم أسطري هذه وأقول بأني أترقب تدخلاً حكومياً في نظام ساهر، طبعاً التدخل لا يقتضي إلغائه لأنه كفكرة أمر إيجابي، لكن التدخل سيكون في آليته، والمتتبع للقرارات الحكومية العليا سيجد أن غالبها يميل للحكمة والتروي وهو ديدن الحكومة تجاه الشعب، لذلك أنا على يقين بأن مسألة التدخل أمر وقتي ليس إلا .. وسجل عندك ياتاريخ .

أخيراً .. كتاب سوالف أحمد

 

منذ أن وعيت على عالم القراءة والكتابة وأنا أحلم بأن أنتج كتاب، أي كتاب .. كانت الفكرة بحد ذاتها حلماً يراودني منذ الطفولة تقريباً، ولا أزال بيني وبين نفسي أناقش الفكرة وأغير وأبدل رغم أني لم أكتب أي شيء .. المضمون العام في ذهني والفكرة تلف وتدور حولي .. لكنها لم تر النور بعد .

لكن فكرة الكتب الإلكترونية تجذبني بين وآخر خصوصاً وأن لي تجربتين في كتاب (رحلاتنا) والذي لازلت أستقبل ردود فعلٍ عنه رغم مضي سنوات خمس ورغم قدم معلوماته مقارنة بالوقت الحالي، لذا كانت فكرة جمع عدد من التدوينات التي طرحتها هنا في كتاب إلكتروني فكرة جديدة لي وتحمست لها أكثر بعد طرح جهاز الآيباد والذي فتح آفاق جديدة أمام الكتب الإلكترونية وشجع على طرح الجديد منها.

بين أيدكم الآن الجزء الأول من (سوالف أحمد) وجمعت فيه عدد من التدوينات التي نشرتها مابين عامي 2005 وحتى 2007 .. وفي حال وجدت قبولاً سأدرج التدوينات الأخرى في جزء ثان، هي في النهاية مجرد محاولة لتقديم منتج المدونة في قالب مختلف ولقراء مختلفين أيضاً قد يقرونها في يوم واحد .. وقد لا يقرأونها أبداً 🙂 .

لم أفكر أن أحول الفكرة إلى كتاب ورقي (رسمي) يوزع في معارض الكتاب ونحوها لأني في النهاية أدرك بأنها مجرد تدوينات وسوالف كتبتها أحياناً دون مراجعة .. وهي أحد أسباب توجهي للكتابة أصلا في مدونة إلكترونية.

شكراً لكم لتقبلكم ثرثرتي !

رابط تحميل كتاب سوالف أحمد بنسخة PDF

@@ تحديث @@
شكراً يزيد هنا رابط لتحميل الكتاب بنسخة كتاب إلكتروني للآيباد والآيفون

كان الملهم .. كان الاستثنائي

 

في العام 1990 إبان غزو الكويت، كنت لم أتجاوز الثالثة عشر من عمري بعد وكنت للتو قد وقعت في غرام قراءة الكتب ومطالعة الصحف اليومية، مشهد أخي الكبير في كل ليلة يتكرر أمامي، كان يقتطع مقالاً ليحفظه في ملفاته من الصحيفة الخضراء التي لم أكن أقرؤها لتجاوزها فكر سني الصغير، أعرف حب أخي للقراءة وأثق بأن اهتمامه ناتج عن أن كاتب المقال شخص استثنائي.

حاولت مرة أن أقترب لأعرف الكاتب .. حسناً لقد كان اسمه غازي القصيبي وكان عنوان الزاوية في عين العاصفة، لكني لم أكمل قراءة المقال لأنه كان سياسياً وصعباً على طفل لازال يدرس في الصف الثاني متوسط ، بعدها بفترة أصبحت أتسلل لمكتبة أخي والتي خصص لها غرفة كاملة ، كانت مثل غرفة الكنز وحتى هذا اليوم لا يعلم أخي بأني استغل فترة خروجه لأدخل وأسرق أحد الكتب بين حين وآخر.

يوماً ما وقع نظري لأحد مؤلفات غازي القصيبي .. لمحت الأسم من بعيد وأدركني فضولي في سرقة ذلك الكتاب الذي لم أعد أتذكر عنوانه، لكني أتذكر تماماً أن قصة حب خاصة نشأت بيني وبين مؤلفات القصيبي منذ ذلك التاريخ حتى تمكنت قبل نحو 4 سنوات من قراءة غالبية مؤلفاته .

متيقن بأن اسلوبه كان ساحراً، لدرجة أني كنت أنسخ جزءاً كبيراً مما كان يكتب .. أحاول أن أقلده في تعليقاته وفي نقاطه .. بل في استدراكاته الساخرة حينما يتعرض لموقف صعب، في دراستي للمرحلة الثانوية كنت أقرأ بنهم مقاله في المجلة العربية والتي خصص مجملها لتشجيع الكتاب الجدد واستعراض كتبهم ، لا أعتقد يوماً بأن هناك كاتبُ يقدم جملاً بليغة سهلة بمثل ماكان يكتب حتى أحسست بأن طرحه يمثل مدرسة خاصة أصبحت أعرف المنتمين لها من كتاباتهم .

عملت صحفياً وكانت هناك مناسبات كثيرة كان يتسنى لي رؤيته لو حضرتها، بل أنه زار يوما الجريدة التي كنت أعمل بها وكنت أتوق برهبة بالغة كيف ستكون ردة فعلي حينما أراه فيما لو قام بجولة على المكاتب … ذلك اليوم انتهت زيارته ولم تتم الجولة ، ندمت ندماً شديداً لأني لم أسرق نظرة إلى وجهه عندما كان في مكتب الرئيس.

عمل في وزارة المياه وكنت أنا وصديقي نضرب مواعيدنا المسائية على أن نلتقي بالقرب من مدخل المبنى، كانت مواعدينا متأخرة بلاشك ولكني كنت يوماً أتمنى لو كان القصيبي خارجاً من اجتماع أو نحوه لعلي أراه أمامي ، كنت أقول لصاحبي إحدى إمنياتي هي أن أقبل راسه لأنه أحدث التغير الأكبر في حياتي … جعلني أعشق القراءة والكتابة حتى أن مهارتي المتواضعة هذه أدخلتني بلاط صاحبة الجلالة.

ذلك اليوم قابلته .. نعم قابلته لكنها لم تكن مقابلة تقدير، للمرة الأولى لم يكن بيني وبينه سوى مترين فقط لكنه حينها كان محمولاً على الأعناق ، كنت واقفاً مندهشاً .. هل جاء اليوم الذي أقترب فيه القصيبي، موقف صعب جداً لم أكن أتخيل نفسي بأني سأكون يوماً هنا .. في مقبرة العود ولماذا ؟ .. لكي ندفن جثمان الرجل الذي أحدث التغير في حياتي، بكيت وكنت أتمنى لو أن المقبرة كانت فارغة حتى أصرخ .. المشهد كان سريعاً ..هذا هو أمامي أبناءه يحملونه من سيارة الإسعاف ليوضع في قبره والناس تهلل وتكبر .. بعدها بدقائق صاح مناد .. من يريد أن يحثو التراب على القبر فليتقدم وليجعلها ثلاث حتى يتيح الفرصة للآخرين .. ارتعبت .. ، هل أتقدم ؟ قادتني قدماي دون دليل ولعلي وطأت قبراً بجواره دون أن أدري .. أخفضت رأسي وأحذت أحثو قبر الرجل النقي الطاهر بالتراب .. يا له من لقاء .. وياله من وداع.

طموحي يوماً كان أن أصل لـ10% مما كان يحمله من ثقافة وعلم وقوة حفظ، لكني اليوم وأنا في سن الثالثة والثلاثين من عمري أعلم بأن الوصول لتلك المرحلة صعب جداً خاصة أني تجاوزت مرحلة التأسيس دون تقوية لملكة الحفظ التي تنقصني بشدة، ومن يقرأ رواية العصفورية على سبيل المثال سيعلم يقيناً أن من كتبها شخص غير عادي لا في فكره ولا اسلوبه ولا حتى طريقة تفكيره ، بكل بساطة هو رجل استثنائي جاء ومر وعاش بيننا ثم رحل .. مثل هؤلاء الرجال لا يتكررون .

كل الأيام الماضية وأنا أزور المواقع الالكترونية وأقرأ لأهل تويتر، لا يوجد شخص توفي ووجد هذا الاحترام والتقدير والوفاء من كل الأطياف كما كان الأمر مع غازي .. ولا أعتقد بأن هناك شخص جزم الجميع على نقاءه وحبه لوطنه واحترامه للآخرين كما هو الحال مع غازي .. رحل الحب .. ورحلت الدبلوماسية .. ورحلته الكتابة الساخرة .. ورحل الوفاء .. ورحل المدرس والجامعة الكبرى في الكتابة .