علمتني الحياة : احذر الفاسدين

هع

كلنا نتفق بأننا نلمس في المملكة بعضاً من مظاهر الفساد سواء على المستوى الحكومي أو الخاص ، ويأتي هذا الفساد نتيجة لعوامل يأتي على رأسها ضعف الرقابة والمتابعة ، وللأسف ولأن السعودية مهبط الوحي ورمز للدول الإسلامية ، إلا أن كثيراً من سكانها يتعاملون بشكل من أشكال الفساد بين حين وآخر .. دعوني أضرب لكم أمثلة .
* الواسطة .. هي في كل دول العالم وجميعنا يتفق بأنها العدو الأول لأي تقدم وظيفي كان أو خدمي ، لكن لنتأمل واقع مجتمعنا الآن وكيف نخرت الواسطة جسده من العمق بل وتغلغلت في كل أطرافه ، صحة .. تعليم .. خدمات .. أمن .. سفر .. كل تلك تدبر بالواسطة وكما يقولون بأن الواسطة تبدأ مع المواطن السعودي منذ ولادته حينما ينجح والده – بالواسطة – في تخصيص غرفة خاصة له بمستشفى حكومي ثم ينجح – بالواسطة أيضاً – في تسجيله وهو دون السن القانونية بمدرسة ابتدائية قريبة وفي الثانوية يبحث عن واسطة لمنحه رخصة قيادة وهو دون السن .. ثم واسطة للدخول في كلية مرغوبة بالجامعة .. ثم الواسطة الأهم عمل براتب مجزي قريبٌ من البيت .. ثم واسطة هذه المرة لمنحه منصباً أعلى وهو دوناً عن أقرانه وزملائه .. وواسطات طويلة لا تنتهي للانتدابات والبدلات وتغير حجوزات الخطوط السعودية 🙂 ..وواسطة للنقل لجهة أعلى شأناً ..
* من منا لم يرى مشهد الأعذار الطبية – الفاسدة – والتي تعكس صورة حقيقية لفساد المتعاملين فيها .. منذ المرحلة المتوسطة عرفت كيف يمكن لصديقي أن يغيب عن اختبار هام بعذر طبي ينجح والده من أخذه من خلال صديقه في المستشفى .. وكم مرة شاهدت فيها زميل عمل يسافر لقضاء إجازة لمدة عشرة أيام بعذرٍ طبي منحه إياه صديقه في قسم الاستقبال بأحد المستشفيات .. وكم من مرة رأيت فيها هذه الأعذار المزورة تتناقل بكل سهولة وبأدنى معرفة في أي مستشفى .. ألا يعد هذا فساداً ؟ .. والفساد الأمر ان جاز التعبير إن كان من يمنح هذه الأوراق طبيباً وما أكثرها من حالات .. طبيب يعمل في أسمى المهن ينزل إلى هذه الدرجة من الانحطاط .. مصيبة ..
* المناقصات والعقود .. آه من هذه الملايين التي تهدر بين مناقصة وأخرى ، هناك حينما يصل نصيب الشخص المستفيد إلى عشرات الملايين .. ( عيني عينك ) .. لكن لا أحد يتكلم .. ليس في القطاعات الحكومية فحسب بل وحتى القطاعات الخاصة حينما ترسى مشاريع لا تكلف دون المئة ألف ريال إلى شركات أخرى لقاء ملايين .. بل ذات يوم روى لي صديق أن تكاليف استضافة موقع الكتروني لا يتجاوز عدد متصفحيه في اليوم 400 زائر لشركته والتي لا تكلف 10 آلاف ريال رسيت على شركة لقاء مليون ريال سنوياً !! ( يخرب بيتهم 🙂 ) ..
* هل أتحدث عن الابتزاز ؟ .. ان كان لديك مصلحة في شركتي قدم لي فائدة وأخدمك ، لذلك ينعم المئات برحلات سفر مجانية لفترة تتجاوز الشهر مقابل خدمة يقدمها هذا الموظف لشركة ما .. وسيارات تذهب .. واجهزة كمبيوتر .. وجوالات .. كل ذلك من أجل رضا هذا الموظف المبتز الذي تجده يناقض نفسه بالظهور بشكل متدين أمام الآخرين .. بينما هو في الداخل فرح بتجاوز دخله 100 ألف ريال شهرياً ومثلائه لايستلمون سوى ثمانية آلاف وأدنى ..
* هل أكون متشائماً حينما أرى مظاهر الفساد تطغى على موظفي هذا البلد ؟ .. وهل أكون متشائماً حينما أقول بأن النسبة تتجاوز الـ50% وهي الظاهر لدينا فما بالك بالباطن .. ، الصحفي يتربح بقلمه .. والطبيب يقدم الأعذار لمن يحب ويوقع عقوداً هائلة لشركات الأدوية لقاء الإعلان عن منتاجاتها بطريقة غير مباشرة .. والطالب يغش في كل اختبار بطريقة مختلفة .. والمدرس يبذل جهده في سبيل عدم اكمال يوم دراسي كامل للخروج قبل الظهر .. ومراقب البلدية يقبض من تحت الطاولة لقاء التجاوزات .. والقانوني والمحاسب يتلاعبان في العقود كيفما يشاؤون .. والمهندس يبذل قصارى جهده أن تكون تكلفة المشروع منخضة حتى ولو كان على حساب الجودة .. تأمل الطرق كيف ترصف وتأمل المباني والمنشآت كيف تبنى بأقل التكاليف .. ناهيك وناهيك ونااااااهيك !!
* أحد الحلول يأتي بالصحافة والتي هي لدينا دون المستوى ومحرريها – في الغالب – ضعيفون وسطحيون وغير قادرون على طرح عميق ، إضافة إلى الخوف من فقدان الوظيفة بين حين وآخر ، كما لا ننسى ارتباط الصحف لدينا بالإعلان وهو مايشكل صعوبة في توجيه الانتقادات للمعلنين ..

علمتني الحياة : ابتعد عن المحبطين

أعترف ، قد أكون (محبّط ) – بتشديد الباء – في يوم من الأيام ، وأعترف أيضاً بأني (كنت ) أنصاع في كثير من الأحيان لتعليمات المحبطين .. كما أعترف بأني ربما ( كنت )  أنفذ مايقترحونه .
أسوأ ماقد يمر على الموظف في عمله حينما يترافق يوماً مع زميل آخر يتخصص في (الإحباط ) وقد يكون ذلك التحبيط متعمداً لتخفيف حماس موظف منافس ، أو قد يكون من حسن نية من موظف كسول تجاه زميله النشط حينما يراه منهمكاً في العمل ، الشاهد أن التحبيط أسهل وسيلة لهدم حماس أي موهبة شابة والمدير المتمكن هو من يكتشف موهبة موظفيه ويعمل على تطويرها وتكريس مفاهيم التشجيع والتفاؤل .
عندما يتوافد المحبطين الواحد تلو الآخر على الموظف وملء رأسه بعبارات ( تراك متعب نفسك على الفاضي ) أو .. ( تشتغل وتكرف محد درى عنك ) .. أو ( شوف فلان وعلان رواتبهم أعلى منك ولا يشتغلون نص اللي تشتغل ) ، وغيرها من عشرات الجمل المشابهة .. هذه مهما كان متلقيها فسيكون لديه ردة فعل سلبية ستؤثر في النهاية على عمله .
استمع كما يقولون لصوت العقل وأبسط تلك الأصوات من يقول لك ( اشتغل وأبدع في ساعات عملك قدر ماتستطيع ) فهذا في النهاية عملك ويجب أن تطور نفسك من خلاله .. بالعربي ( كلها ثمان ساعات كملها وامشي ) .
إحدى السلبيات التي كنت أعاني منها حقيقة هو أني استمع للمحبطين وأتوجه إليهم بكافة حواسي .. وللأسف أيضاً أني أساهم في نقلها لزملاء آخرين ، لكن الحياة خبرات كما يقولون ، الآن عرفت بأن تعبي وجهدي وسهري في سنواتي الأولى وظيفياً بقسم تقني 100% ينتهي في الواحدة أو الثانية صباحاً ( ويمتد أحياناً حتى الخامسة وربما السادسة ! ) كونت لدي شخصية تقنية مختلفة ( رغم أني بعيد كل البعد عن دراسة التقنية ) ، ولله الحمد حالياً أتفوق على العشرات من حاملي شهادة بكالوريوس الحاسب الآلي ، كما أن عملي في جانب تحريري 100% بعد ذلك بثلاث سنوات أخرى أظهر جوانب في داخلي كانت مغيبة عني ، استمر السهر والتعب والمعاناة في المتابعة وجلب الأخبار والسفر والركض أحياناً للبحث عن وسيلة إرسال سواء انترنت أو فاكس إضافة إلى الكتابة الدائمة وكنت أستمع لـ ( محد درى عنك ) .. وباستمرار .. لكني الآن حصدت ثمار ذلك من خلال مهارة الكتابة والنشر والتي لا أدعي بأني متميزٌ بها .. ولكن على الأقل أتفوق من خلالها على عشرات المتخصصين في دراسة الإعلام .
قبل اسبوع عاهدت نفسي على أن لا أولي (المحبطين ) أي أهمية ولا ألتفت لهم .. سأستمع بلا شك للواقعيين وهو أمرٌ مهم كي لا يدفع التفاؤل كثيراً .. والأهم عاهدت بأن لا أكون ( محبطاً ) مهما حييت .. وأنتم يجب أن تكونوا كذلك !

مذكرات صحفي فاسد (1)

يصحو زياد الصحفي في جريدة (الكسالى ) في السابعة صباحاً ، يبدأ يومه بقراءة الرسائل الواردة إلى جهازه الجوال الذي تلقاه كهدية من الشركة العريقة في مجال الجوالات في مؤتمر الاتصالات الذي غطاه لجريدته الاسبوع الماضي ، يذهب إلى مدرسته التي يعمل فيها مدرساً لمدة العلوم لطلاب المرحلة الثانوية ، قبل أن يصل المدرسة يشتري كل الصحف السعودية ، يذهب لغرفة المدرسين ويتجاهل الطابور والنظام .. يسلم على مديره الذي يمازحه أمام المدرسين ، كيف لا وزياد هو الذي ينشر أخبار المدرسة في الجريدة لتظهر بأزهى صورة لدى المسؤولين في الوزارة .. لذلك له وضعه الخاص .
يبدأ زياد يومه في قراءة الصحف التي يعلم يقيناً بأن إداراتها أفضل من إدارة صحيفته .. يشاهد العناوين الرئيسية .. يأخذ من هنا فكرة .. ومن تلك فكرة أخرى .. ومن تصريح هذا المسؤول فكرة تحقيق .. ومن مقال ذلك الكاتب فكرة تقرير ، يبدأ اتصالاته على المسؤول في الوزارة الحكومية التي نشرت إحدى الصحف خبراً عنها .. يحادث المسؤول (شفت وش كاتبين جريدة القراوى عنكم ) .. ليبدأ المسؤول بالرد والأخذ والعطى .. في النهاية يكون موضوع صحفي جيد لزياد .. يفرغه على الورق ويرسله إلى الجريدة بالفاكس ، عند العاشرة .. يتجه زياد للنادي الصحي القريب من المدرسة حيث يقضي ساعة من التمارين الرياضية التي يحرص عليها صباح كل يوم .. خصوصاً وأن النادي الصحي يمنحه اشتراكاً مجانياً طالما هو ينشر اخبار النادي في الجريدة كخبر تحريري وليس إعلاني ، عند الثانية عشر يخرج من المدرسة بعد أن ضبط جدوله لينتهي قبل صلاة الظهر .. لاسيما وهو صديق المدير المدلل ، يخرج زياد وهو لم يداوم سوى حصة واحدة فقط إلى مركز البكاء الخيري .. حب الخير لدى زياد دفعه للتعاون مع المركز الخيري لنشر أخباره في الجريدة .. كيف لا والمركز يمنح زياد مرتب 4000 ريال .. ثمناً لنشر الأخبار في الجريدة ، مدير المركز يحبه حباً كبيراً لأنه يوصل صوته للمسؤولين كل اسبوع .. المدير يهمس في اذن نائب المركز ( يستاهل زياد 10 آلاف على  الشغل الطيب .. الله مير يجزاه خير .. ترى أخباره هي اللي تجيب التبرعات) .
يخرج زياد من المركز قبل الواحدة ، يتجه للجريدة ويشغل حاسوبه للدخول إلى مواقع سبق والوئام .. وقبلها الساحات .. من هنا فكرة .. ومن هنا خبر .. ومن هنا تعليق ، يتصل زياد على مدير المستشفى الحكومي الذي يستعين به دائماً لأخذ المواعيد والإجازات الطبية .. زياد يقول للمدير ( شفت وش قايلين في الساحات عنكم ؟ ) .. يرد المدير ويبرر وينتج عمل صحفي آخر لزياد ، مدير المستشفى بعد المكالمة يصيح في وجه مدير مكتبه ( ياخي قايلك مية مرة .. لا تخلي زياد في قاعة الانتظار أبد .. دخله على الدكتور على طول .. هذا ينشر أخبارنا وتصاريحنا ويضبط أمورنا في الجريدة .. ياخي والله يستاهل نضمه للعلاقات العامة ونمشي له راتب )  ، يرد الموظف ( تراه طالب إجازة مرضية لزوجته المدرسة .. يبي اسبوع ) ، رد المدير بصوت عال ( عطه اجازة مرضية لمدة شهر وجبها أوقعها .. يستاهل )
بعد الثانية ، شقيق زياد متورط في رحلة للخطوط السعودية المتجهة إلى جدة ، اتصل بزياد الذي بدوره اتصل على أحد المسؤولين في الخطوط ( هاه .. وش عندكم من أخبار .. ووش أخبار الخصخصة ) .. يرد المسؤول بهدوء وتروي ويتحول الموضوع إلى تصريح صحفي جديد ، زياد يطلب من المسؤول أن ينتهز فرصة مكالمته ويساعد شقيقه المتعلق في المطار  ومذكراً إياه بأن الخبر سينزل بلبس البدلة الجديد ، بعد دقائق يتصل شقيق زياد وهو يقول ( ياخي انت خطير .. تصدق نقلوني درجة أولى ! ) .
عند الثالثة .. يحادث زياد صديقه المتخصص في الأسهم لمعرفة حال السوق وأخذ التوصيات ، هو يمنح زياد كل خبراته في هذا المجال بل أنه يدير محفظته الاستثمارية بلا نسبة ، المتخصص يحادث صديقه ( ياخي لو ماكفاني من زياد إلا تصاريحي في الجريدة وعلاقاته لإظهاري في القنوات الفضائية .. لكفى ) ،  عند إغلاق السوق يجمع زياد أوراقه ليعود للمنزل فأمامه في المساء العديد من المشاوير في المراكز الخيرية ، مر على زملائه في أحد الأقسام بينهما كانوا يتابعون بنهم اللحظات الأخيرة لإغلاق سوق الأسهم  (ياشباب الله يجزاكم خير .. ترى مايجوز تشترون أسهم المملكة .. خذوا اقروا الفتوى ) .. ردد الجميع ( الله يجزاك خير يازياد .. ياخي أنت مثال للصحفي النزيه ) .. يرحل زياد ولم يكد يمضي خطوات قليلة حتى بدأ زملائه بحشه

علمتني الحياة : فتش عن الإدارة

مدري هذا يعتبر فاشل ولا لا

أبسط القواعد الإدارية .. المدير الفاشل يجلب موظفين فاشلين وهؤلاء الموظفون الفاشلون يكبرون بعد سنوات ويتحولون إلى مدراء فاشلين .. ليجلبوا بدورهم موظفين فاشلين .. وهكذا تدور الحياة الإدارية في كثير من القطاعات الحكومية والخاصة .
أحياناً تقف أمام منشأة تتوفر أمامها كل مقومات النجاح ، لكنها لا تستطيع النهوض والاستفادة من حجمها الكبير بسبب أخطاء إدارية فاشلة وتهميش لموظفين مميزين خوفاً من أن يتحولوا إلى مناصب عليا ، فالمدير الفاشل في العادة يخشى كثيراً على كرسيه ويحاول أن يتشبث به أطول فترة ممكنة فلذا هو سيتجاهل منح الصلاحيات أمام أي موظف بارز خلفه لأسباب عدة يأتي في أولها أن هذا الموظف قد يكبر يوماً بعد يوم ويكتسب الصلاحيات الواحدة تلو الأخرى حتى تجد قيادة المنشأة أن الأوان قد آن لمنحه مقعد المدير بدلاً من صاحبنا الفاشل ، الأمر الآخر هو أن هذا المدير الفاشل سيتجاهل الموظف المتميز ويقلل من عطائه وصلاحياته خوفاً من أن يقوم بتعريته أمام الجميع ، فالموظف المتمكن والنشيط في ظرف أشهر عدة يستمكن من عمله بشكل كامل ويبدع فيه ويقدم أفكاراً جديدة لدرجة قد تصل بأن يكتسب اشادات من موظفي الأقسام الأخرى ووهو مايجعل المدير الفاشل في موقف حرج عندما لا يستطيع أن يجاري موظفه في الأداء والتفوق والإبداع ، فلنتخيل الحال في الصحافة مثلاً حينما لا يستطيع مدير القسم أن يتناول قضية رأي في عمود أو تقرير .. بينما محرر شاب صغير السن يبدع ويطرح آرائه وتكثر ردود الفعل من القراء والمسؤولين .. هذه النقطة أتذكرها تماماً عندما كنت صحفياً ووقفت على حالات لزملاء شباب يعانون في صحفهم من نوعية هؤلاء المدراء الذين يحجبون المواضيع المتميزة خوفاً من أن تتسبب في ردة فعل كبيرة .
المدير الفاشل أيضاً يعمل بمبدأ ( ابعد عن الشر وغني له ) ، فتجده يخشى الموظف المتطور والذي لا يقف عند حد معين .. يحاول أن يحبطه .. يشعره بطريقة غير مباشرة بأن توجهه وحماسه قد يتسبب في مشاكل في القسم ، فلو كان موظف بنك يوجد أفكاراً جديدة تخفف من عناء العملاء وتسهل مهامهم .. سيتفاجأ بأن المدير يرفض الأفكار الجديدة رغم أنها تمنح البنك امتيازاً آخر بحجج واهية ( يجب أن يصدر القرار من مجلس الإدارة .. النظام لا يسمح .. الخ ) ، ولذلك يلجأ المدير الفاشل إلى اختيار موظف ذو إمكانيات بسيطة ولا ينشد التطور والحماس على الإطلاق ليكون مشرفاً على القسم .. فالمدير سيتأكد أنه وبوجود هذا المشرف الهادئ .. كل شيء سيسير على نفس التوجه .. أين الأفكار وأين التطوير .. النتيجة صفر .
المدير الفاشل يحب الواسطة ويعشق العيش تحت ظلالها ، فالواسطة هي من أوصلته لكرسي المدير وأوصلت مديره العام أيضاً ، لذا وفي ظرف أشهر يحول هذا المدير الفاشل إدارته إلى استراحة أو مقهى لأقربائه وأصدقائه ، يجلب ابن عمه غداً وصديق الدراسة بعد غد .. وبعد شهرين يطلب من ابن الجيران أن يزوره لكي يساعده في وظيفة .. في نهاية الأمر وبعد سنوات قليلة يتحول القسم تحت ظل هذا المدير الفاشل إلى قسم يضم (المتردية والنطيحة ) .. والانتاج سيكون صفراً مكعباً .
المدير الفاشل يملك فكراً قديماً بالعادة ، فهو يرى أن التشديد على الموظفين خير وسيلة لإظهار جدية العمل ، الدوام زيادة عن أوقات العمل الأصلي .. التشديد في منح الأذن للخروج أو حضور مناسبة معينة .. التشديد في مسألة الإجازة ورفضها في كثير من الأحيان .. هو يعتقد بأن الشدة والقوة تمنحه وهجاً بين الموظفين مما يدعم حضور الإدارة ويقويها ويزيد من انتاجه .. لكنه لا يدري بأنه يحبط موظيفه يوماً بعد آخر ويفقدهم الولاء للمنشأة وتعمد عدم العمل بجدية .. بنظام .. كل شي يمشي يرجال دام (الريس عاوز كده )

علمتني الحياة : في العمل التفوق ليس للأذكياء

ياجماعة والله غبي .. وشلون صار ريس ؟
وأنا أعيش عامي الثلاثين ، أصبحت أنظر لكثير من الأمور بمنظار مختلف تماماً ، لازلت متفائلاً في جميع شؤون حياتي ، لكني وأنا على بعد اسبوعين من تاريخ ميلادي أزلت المنظار الورد ي الذي كنت أنظر فيه للحاضر .. والمستقبل ، للأسف أننا تعلمنا في المدارس وقرأنا في الكتب وتابعنا في التلفزيون أنك حين تبذل جهدك وتبذل كل طاقتك وتطور نفسك ستصل في النهاية إلى هدفك ، في بيئة العمل هذا الأمر ليس صحيحاً ، لا أقولها متشائماً ولا أقولها كردة فعلٍ تجاه أمر معين ولكنه نتاج متابعة لكثير من الدوائر الحكومية والخاصة .
من يجيد فن إدارة عمله هو من سيكسب الجولة ، قد يكون هذا الفن في بعض الأحيان قبيحاً مذلاً فيه من المغالطات والتجاوزات الشيء الكثير لكن رواده ينتهجون (الغاية تبرر الوسيلة ) فيقدمون الكثير من التنازلات في سبيل أن يصلون ويحققون هدفهم ، قد يكون أحدهم موظفاً بسيطاً في إدارة ما لكنه يقوم بدور (المخبر ) للإدارة الأعلى ويرصد السلبيات الصغيرة ويضخمها ويقتنص السلبيات الكبيرة ويحولها إلى فضيحة من خلال نقل هذه المعلومة للرئيس الأعلى الذي قد يشعر بأنه لا يحس بأي ولاء داخل إدارته سوى من هذا الشخص (المخبر ) والذي يكسب الثقة يوماً بعد يوم حتى يصل لمقعد أعلى ، كل ذلك يحدث رغم أن الإدارة تحوي العشرات من الكفاءات والمتميزين .. لكن مثل هؤلاء كتب عليهم العمل الدؤوب حتى أضحوا يسمون بـ ( الطبقة الكادحة ) .
ومن الأمور التي ينتهجها مثل هؤلاء بمصطلح مايسميه السعوديون بـ ( الرزرزة ) وهي التواجد في كل حين أمام المسؤول الكبير في الإدارة ومحاولة التنظير والتحدث باسلوب علمي باللغة الفصحى ( وهي عملية سهلة ) تكرار مثل هذه العملية يحسن من صورته لدى الكبار وقد يتسنى بحكم علاقاته تكرار الظهور التلفزيوني في القنوات المتخصصة ، فقد يتحدث عن اقتصاديات البلد في قناة كالعربية مثلاً من منطلق عبارات مكررة ( في الواقع .. أعتقد .. كما تفضل الضيف فلان ) ، في النهاية يكسب الجولة في عمله ويصل بسرعة الصاروخ رغم أنك قد تضحك على فكره ورأيه حينما تتحدث معه في مجال عمله .
أمر آخر يشيع في القطاع الخاص بشكل أكثر وهو عمل بهرجة واستعراض بين حين وآخر من خلال الادعاء بتلقي عرض من الشركة الفلانية أو البنك العلاني وقد يستطيع بعلاقة بسيطة مع مسؤول في دائرة ما بجلب عرض رسمي براتب كذا وكذا ، للأسف كثير من المسؤولين الكبار تنطلي عليهم مثل هذه الحيلة ويعتقدون بأن هذا الموظف الذي تنهال عليه العروض كل شهر هو كفؤ ومن الأفضل زيادة مرتبه وتصعيده إلى درجة أعلى .. ويصل !
ومن طرق الوصول التي وقفت على بعضها هو استعمال القوة .. نعم القوة ، فهذا الموظف السيء كثير التشكي والمطالبة من رئيسه الأعلى ، اليوم يريد انتداب للمعرض الفلاني ، وغداً يسرق إجازة بحجة زفاف ابن عم خال أبيه ، وبعد اسبوع يكافح كل يوم وآخر لزيادة مرتبه أو اكتساب علاوة .. وبعد شهر يضغط على مديره كل صباح مطالباً بأن توفر له الشركة أو الوزارة سيارة كفلان وعلان .. صدقوني مثل هؤلاء قد يجدون مديراً ضعيفاً يتجاوب و(يطفش ) من كثرة المطالبات .. قد يرفض طلباً او اثنين .. لكنه سيوافق على عشرة !
كل تلك الأحداث ، والموظف المثالي الذي يحضر إلى دوامه ويخرج (بالثانية ) ويطور قدراته بنفسه ، ويبدع ويقدم كل طاقاته من أجل العمل ، يظل قابعاً في مكتبه بلا امتيازات .. وبلا أي حافز حاله كحال العامل الذي يجلب القهوة إلى بقية الموظفين .. إذا أبدع قيل له ( يعطيك العافية ) وإذا لم يبدع ( محد يجيب خبره ) .. مالم يجد مديراً جدير بحمل مسمى (المدير )
* علمتني الحياة قد يتكون تصنيفاً جديداً أكتب من خلاله مواضيع عدة بين حين وآخر ..
* صورة بوش رمزية ولا علاقة لها بالنص ، لكنه دلالة على أن الأغبياء قد يصبحون رؤوساء يوماً ما !