في وداع رجل نبيل .. ووفي

أكتب في هذه المدونة منذ ثلاثة عشر عاماً، لم أعتد أن تكون كتاباتي متشحة بالسواد، لكن هذا العام يأبى إلا  أن يغرقنا بالأحزان، فقدت روحي الغالية أمي قبل أشهر، واليوم وارينا الثرى فقيد الصحافة تركي بن عبدالله السديري.

منذ أن تركت جريدة الرياض وأنا أتذكر مقولة صديقي عبدالرحمن السلطان حول تسجيل المواقف والقصص التي كنت أرويها له بين حين وآخر، أعترف بأنه في هذه المرة كان نظره أبعد مني، لأنني كنت في حضرة رجلٌ عظيم لأكثر من أربعة عشر عاماً قضيتها بين جنبات جريدة الرياض .. وكنت أقضي يومي فيها أكثر مما كنت أقضيه في منزل والدي، لكني لم أدون أحداثها.

أعترف أولاً بأني لا أحب المبالغات، وأكره مقالات التأبين التي تكون مليئة بالمبالغات الممجوجة، وأتلافى حقيقة أن أدخل في متاهات المديح المبجل حتى ولو كانت عن شخص راحل، وأعترف أيضاً بأني كنت أعترض في كثير من الأحيان على سياسة تركي السديري التحريرية أو العملية وربما علناً أمام زملاء الجريدة .. لكن كل ذلك لا يمنع أن أسجل شهادتي بحق شخصية تاريخية في الإعلام السعودي بحجم هذا الرجل النبيل والتاريخي.

(1)

لأني فوت نصيحة صديقي عبدالرحمن، منذ الأمس وأنا أعصر مخي عصراً للبحث عن ذكرى لقائي الأول بتركي السديري، كل ما أذكره في سنتي الأول أن شعاعاً يلف جدران الجريدة منذ أن يدخلها تركي، الرجل صنع لنفسه هيبة ومهابة لم أرها في حياتي قط (لاحقاً اقتربت من شخصية أكبر ولم أحس بأي هيبة تجاهها)، كان يمشي في الممرات بهدوء يترقب الزملاء وهم يلقون عليه التحية، وكنا نعرف إن كانت بيده سبحة ولا يكون برفقته أحد أن هذه هي أكثر أوقاته سعادة، كل ما أذكره في ذلك الوقت جولته المسائية بعد العشاء، وكان الزملاء يتجهزون لتلك الجولة بالبقاء في مكاتبهم وأمام شاشات الكمبيوتر، والكل يتلهف أن يتوقف (أبوعبدالله) أمامه ليتجاذب معه أطراف الحديث، كنا نقدر أهمية المحرر ونجاحه بأن يقف تركي يتحدث معه بين حين وآخر، كان ذكياً وهو يوجه رسائل مبطنة للآخرين، أهميتك في العمل تكمن في نجاحك أنت (لا واسطة فلان ولا علان)، لذا اعتدنا أن يوجه رسائل لمحررين (ذوي أمكانيات أقل) على شاكلة (أنت وش اسمك ؟ .. أنت في أي قسم؟ ) طبعاً هو يعلم أسمائهم  لكنها رسالة له وللآخرين بأني لا أعرفك لأنك مجهول ولم تقدم مايستحق .

(2)

لقائي الأول المباشر فيه كان في مطلع ٢٠٠٣ حينما طلب مني الاستاذ سليمان العساف – وله فضل كبير علي –  الانتقال إلى قسم تحرير الرياضة، كان عليه أخذ موافقة الرئيس على هذا الانتقال خصوصاً بأني كنت في قسم الانترنت (الناشئ آنذاك) والذي كان يلقى عليه حمل وعبء كبير لمستقبل الجريدة، كان مستعجلاً وهو لم يعرفني إلا بالاسم، شدد على أن الانتقال يجب أن أتحمله بشكل كامل وأن لا أعود له لاحقاً لأغير قسمي، ولا أخفيكم بأنه لم يكن متحمساً للقسم الرياضي بمقارنة بالأقسام الأخرى مثل الاقتصاد أو المحليات.

(3)

بعد تأهل المنتخب لكأس العالم ٢٠٠٦ ، رشحني الأستاذ الفاضل سليمان العساف مشكوراً لتغطية الحدث لصالح الجريدة، كنت متحمساً بشكل كبير للإنطلاق أكثر في التحرير الرياضي خاصة وأني وقتها بدأت بكتابة مقالات رياضية كل أسبوع وكانت تأخذ صدى رائع.

تركي كعادته مع كل تغطية خارجية يلتقى بالمحرر قبل ذهابه، وأذكر أني اشتكيت له أن سعر صرف اليورو كان عالياً مما يعني بأن مكافأة انتدابي اليومية ستذهب فقط في السكن ..كان راتبي حينها زهيداً، أخذ أقرب ورقة بجانبه وكتب سطراً موجهاً للإدارة بأن تتم مضاعفة مكافأتي اليومية، قال لي أنت تمثل “الرياض” وليس من المنطقي أن تصاب بحرج بين الزملاء الإعلاميين، قبل أن أخرج دعاني مرة أخرى وكان يمتدح أدائي .. ثم قال (إذا عدت يجب أن أخرجك من الرياضة .. لا أريد أن تستمر فيها) ، وبالفعل بعد عودتي ترأست قسم جوال الرياض الذي كان ينشر الأخبار SMS في عز أوجه (بمشتركين بلغوا نحو  ٢٠٠ ألف مشترك يدرون دخلاً قرابة مليون ريال شهرياً)  وبالتالي انتهت علاقتي بالقسم الرياضي.

(4)

في قسم جوال الرياض الذي اندمج لاحقاً مع قسم الانترنت ليكون إدارة للإعلام الإلكتروني، في الفترة مابين ٢٠٠٦ إلى ٢٠١١ تقريباً كان مكتبنا أصغر حجماً وأقل عدداً، شاء الله في تلك السنوات أن أكون أحد المحررين المفضلين لـ (أبوعبدالله) ولا تسألني كيف ، ولأن الجريدة في الفترة المسائية (عند التاسعة تقريباً) تكون بأقل طاقتها، فكان جو العمل يحلو بالحديث، كان دائماً مايأتي إلى مكتبي الصغير والمشترك مع آخرين من أجل (السواليف) ..، لا أكتب هذا الكلام استعراضاً فأنا لست قريباً منه بالشكل الذي تتخيله، ولكني كنت في تلك الفترة تحديداً (محطة سوالف) كان يأتي ويدردش، وزاد حماسي للعمل في المساء أكثر من أجل أن ألتقيه وأقترب من شخصيته، كنت أستغرب أن يخبرني بقصص العمل الخاصة مع مدراء التحرير، أو عند الحديث عن جهات إعلامية منافسة .. رحلاته .. أو حتى أمور أخرى .. ذاكرتي لم تسعفني بجمعها كاملة،  إلا أنها في الغالب ترتكز على مفهوم التنافس (يجب أن يكون موقع الجريدة أفضل وأقوى حضوراً من أي موقع لجريدة أخرى) .. رغم عدم اطلاعه بشكل كبير إلكترونياً إلا أنه في الغالب يوافق على أي خطوة تقنية بما فيها تأسيس إدارة الإعلام الإلكتروني التي كانت خطوة هامة في تاريخ “الرياض” وأصبحت المؤسسات الصحافية الأخرى تقلدنا في طريقة تنفيذها.

(5)

في أحدى السنوات تفاجئنا (أنا ونحو ٢١ محرر آخر) بدعوة عاجلة إلى مكتب رئيس التحرير، اختصر تركي الحديث فيها بأنه هو وصالح الحيدر – المدير العام للمؤسسة في ذلك الوقت – قررا التنازل عن عدد من أسهمهم لتتحول إلى ٢٢ محرر في الجريدة من المتميزين أو من الذين قضوا سنوات طويلة، حقيقة كان ذلك الموقف دعم معنوي تاريخي لا ينسى، حتى وإن كانت الأسهم العشر التي قدمت لكل محرر في عضوية المؤسسة تقدم مبلغاً (زهيداً) إلا أن في داخلها رسالة عظيمة لم نكن نشاهدها إلا في شركات عالمية، بتلك الخطوة أصبح عدد المحررين الذين يملكون أسهماً في المؤسسة نحو ٤٩ محرر .. لا يمكن أن يصل أحد إلى هذا المستوى، ولا أعتقد بأننا سنشاهد مثلها في المستقبل.

غير الجانب المعنوي في هذا الموضوع، كان (أبوعبدالله) صريحاً معنا وهو يقول بأن هذا يعني بأن تصويتكم في قرارات الجمعية العمومية سيكون بيدكم لأنكم الأكثر، أما الآخرين فهم رجال أعمال يهمهم الربح وقد يرفضون مشاريع تحريرية مستقبلية .. يجب أن ينتصر التحرير في النهاية.

(6)

في عام ٢٠٠٨ ، تلقيت عرضاً مميزاً من جهة إعلامية ومن إعجابي وحماسي للعمل الجديد وقعت عقداً معهم قبل أن أقدم استقالتي، باعتقادي أن الاستقالة هي مجرد أمر شكلي ينتهي في حينه حينما أقدم الورقة، كان الراتب مغرياً ويزيد كثيراً عن راتبي في “الرياض”.

عدت للمكتب وكتبت الاستقالة وأرسلتها إلى مكتب رئيس التحرير، في ظرف دقائق اتصل مدير مكتبه طالباً حضوري ودخلت على تركي الذي استقبلني بكلمة: “أنت كاتب هذي الورقة تمزح؟” ذكرت له الحكاية وأني أرغب في خوض تحدي جديد، قطع الورقة أمامي إلى اجزاء صغيرة وقال “توقيع مافيه .. روح لمكتبك“، حاولت الإصرار فتحول إلى شخص غاضب وقال لي بصوت عالي سمعه حتى من هو في خارج مكتبه “خلاص روح المكتبك مافيه توقيع”.

خرجت وأنا أفكر في إيجاد حل لهذه المشكلة، فتلك الجهة راتبها مميز ووقعت عقدي معهم، ورئيسي في العمل يرفض .. بدأت أستشير من هو حولي في كيفية الحل القانوني.

صباح اليوم التالي في وقت مبكر جداً اتصل بي مدير مكتبه بأن الرئيس يرغب في لقائي، خفت أكثر بعد حادثة الامس .. ترى ماذا سيقول ؟ هل سيوافق ؟ ، دخلت مكتبه وطلبي مني إغلاق الباب على غير المعتاد ثم طلب أن أجلس، جاء أمامي واقفاً وهو يتحدث، احتراماً وتقديراً له قمت من مكاني فطلبي من الجلوس بصوت عالي.

فجأة قال لي:”أنا أعتذر” ..

 كيف ؟ تركي السديري يأتي أمامي ويقول أنا أعتذر ؟ .. بلغت قمة اللخبطة كما يسمونها.

قال .. “أنا أعتذر كنت مقصر بحقكم، بالأمس أجريت اتصالات بشركات عديدة وقياديين لمعرفة رواتب أمثالكم وكنت فعلاً قد أبخست تقييمكم، اعتباراً من اليوم سيكون راتبك الشهري كذا” وكان أكثر كذلك من عرض الشركة التي قدمت لي ..

ثم قال لي: “قم الآن واخرج” .. ولن أنسى كلمته التي قال فيها: “اعتبر ماحدث  أمس واليوم هو مجرد حلم لا يعرفه سوى أنا و أنت لا تخبر أحداً عن العرض الذي وصلك ولا تخبر أحداً عن لقائنا هذا وإذا قابلتك مرة أخرى لا تعيد الموضوع لي واعتبره انتهى، نحن نعدك كقيادي في الجريدة ولا نفرط بك أبداً

مثل هذه الكلمات أحرجتني كثيراً، مديرك في العمل يقاتل ويتمسك بك بكل مايمكن .. هذا أمر لا يعدله عملياً ولا معنوياً أي أمر آخر.

(7)

كل هذه الشدة التي تروى عن تركي، كانت تخفي خلها إنساناً وفياً نبيلاً، حتى بلغ أننا أصبحنا نعرف بأن أي موظف أو محرر يخرج من الجريدة ثم يخوض تجربة فاشلة بأنه سيعود ويقابل تركي السديري الذي سيعيده إلى مكانه وكأن شيئاً لم يكن.

أحد الأصدقاء تحمس وقدم استقاله من منطلق البحث عن وظيفة جديدة – وكان كبيراً في السن – وبعد شهرين اتصل بي طالباً مساعدة كونه لم يجد وظيفة مناسبة، في أول دقيقة سألته:”هل أبلغت تركي السديري بأنك لم تجد عملاً” .. فأجاب بأنه يخشى ذلك ولا يملك حتى رقم جوال أبوعبدالله ولا يتجرأ على مثل هذه الأمر، أرسلت له الرقم وبعد خمس دقائق اتصل سعيداً وأخبرني أن تركي قال له أن “الرياض” وفية دائماً مع أبنائها ويمكنك العودة لمكتبك اعتباراً من يوم غد، كنت متيقناً من رد السديري لأني أعلم يقيناً بأنه شخص نبيل وفي مثل هذه المواقف سيظهر نبله بكل تأكيد، لا أعلم مادار بينهما في اليوم التالي لكني متأكد بأن تركي قدم له فوق ذلك مساعدة مالية.

لا أذكر أن أحداً يخاف من شيء، مهما بلغت الإشكالية نعرف بأن مجرد اللقاء – بعد انتهاء الأزمة – مع تركي سيعيد كل شيء إلى ماكان عليه، المحررين الذين كانت توقفهم وزارة الإعلام – في ذلك الوقت – كان يسعى بنفسه إلى حله.

وهنا أذكر الزميل عبدالسلام الهليل الذي أوقف شهراً من وزارة الإعلام، وكان الهليل سعيداً بهذا الإيقاف الذي سيستفيد منه لأخذ إجازة مع أسرته، يقول الهليل بأنه تفاجأ بالجريدة اتصلت به بعد يومين طالبين رسومات جديدة لأن تركي السديري ذهب لوزارة الإعلام وعمل على إيقاف القرار.

كان يمثل الوفاء بشكل غير اعتيادي، ويحفظ الود للزملاء خاصة من أمضى سنوات طوال في الجريدة، ولم يكن أبداً يعرف النفاق تجاه المحررين فما يبطنه يقوله حتى ولو كان أحياناً رأياً جريئاً أو مختلفاً، من النادر جداً أن يستغني عن شخص قيادي وثق فيه، والمميز أو الماهر يتمسك به حتى آخر قطرة كما يقولون .. يقاتل بكل مايملك من أجل بقاء الناجحين والمميزين حتى ولو اختلف معهم وكان هذا سر من أسرار نجاح جريدة الرياض حتى بلغت مجدها التاريخي، 

(8)

كانت أكثر اللحظات سعادة بيني وبين الفقيد هو حضوره يوم زواجي نوفمبر 2009، وجهت له الدعوة على استحياء كما يقولون ولم أكن متوقعاً حضوره، لكن تقديره الرائع والمميز والذي أفتخر به أسعدني كثيراً وأنا أتأمل دخوله للقاعة المليئة، حضر متأخراً وكان الضجيج – كعادة قاعات الزواج –  يسيطر على الأجواء، وعندما دخل تركي كان أمراً مختلفاً جداً والقاعة تصمت بأكملها، دخل بهيبته مبتسماً مرتدياً البشت على طريقته الخاصة التي لا يشابهه أحد فيها، وسعدت كثيراً عندما جلس بجانبي وبجانب والدي وأشقائي .. أذكر أن حديث تركي والدي بجملها كانت عن حواري الرياض القديمة .. شارع الظهيرة والأعشى .. وغيرهما، وكان هذا حديثاً يحبه أبي ويهواه تركي بشكل لا يوصف وكان يشير دائماً في زاويته (لقاء) إلى ذكرياته في تلك الأحياء.

MJ 3773

(9)

تركي والصراعات الفكرية، من المؤكد بأنك قرأت بعض المخالفين له بعد وفاته، للأسف تم المبالغة بشكل كبير في هذا الجانب، كان دور “الرياض”  التنويري لاسيما في القضايا الفكرية والثقافية أحد ركائز نجاحها، ومن الطبيعي جداً لجريدة يومية تطبع ٦٠ صفحة يومياً أن يكون فيها بعض الأفكار المختلفة، لكن تحوير الأمر وفرض نظريات لا أول لها ولا آخر كانت مبالغة بشكل كبير.

أذكر يوماً أن جاء متألماً يحكي ماكتب في “الساحة العربية” من رواية لأحدهم أنه زار جريدة الرياض ووجد (بار) في بهو القبو، لا أذكر يوماً أن رأيته متألماً مثل ذلك اليوم .. كان يقول “يختلفون معي كما يريدون، لكن أن يحوروا فكرة مصلى الجريدة في البهو بأنه بار .. هذا لا يعد خلافاً بقدر تشويه سمعة الجريدة والمنتسبين إليها” .

كانت رغبته بأن تبقى “الرياض” رصينة متزنة، وكم من مرة أوقف الطبعة لتعديل عنوان مثير أو وهمي، حتى في الجانب الرياضي كان حريصاً أن يبقى الحياد قدر الإمكان .. ولعلي يوماً أحكي جزءاً من أحداثها.

(10)

تركي كان يعامل “الرياض” وكانها ابنة لها، يغار عليها بشكل لا يوصف وأي شخص يوجه انتقاد أو كلاماً غير مناسباً عن الجريدة كان يغضبه ذلك بشكل كبير، سواء من مثقف أو أديب او حتى لاعب كرة.

بل حتى أن المؤتمرات الصحفية التي يصادف أن يتابعها، يبدي غضبه إذا لم يطرح محرر الجريدة سؤالاً للضيف يذكر فيه اسمه واسم “الرياض” ، كانت الفكرة أن تكون “الرياض” في القمة ورقياً وإلكترونياً.

(11)

أنا وتركي، بعد أن قدم استقالته من رئاسة تحرير الرياض اتصل بي الزملاء في قسم الإعداد بقناة العربية، طلبوا مني معلومات مفصلة وصور متنوعة، قدمتها لهم وأرفقت – عن قصد – صورتي معه عندما عرضت عليه أحد المواد التحريرية، رغبة مني في أن ترتبط صورتي بصورته عند عرض التقارير وأن أبقى في ذاكرته كلما أعاد مشاهدته.

ويا سبحان الله، عندما توفي الاستاذ ، عادت “قناة العربية” إلى إرشيفها واختارت هذي الصورة التي تجمعني به كخلفية لخبر وداعه .. لا يوجد حال أقسى من هذا 😦

(12)

سأبقى على العهد يا أبا عبدالله، حتى ولو حدت الظروف على الخروج من “الرياض” والانتقال لجهة عمل أخرى، فمبنى جريدة الرياض القريب من منزلي جزء متكرر من يومي، ومكتبك المطل على طريق الملك فهد هو أول ما تقع عيناي عليه – كما اعتدت – … لكنه هذه المرة سيكون مطفأ دون أن نلمح طيفك من بعيد.

رحلت .. دون أن تذوق حزني

الطاهرة النقية، منذ أن أبصرت عيناي الحياة كنت أسمع دعائها المعتاد لي أو لإخواني (جعلي ما أذوق حزنك)، في صغري لم أكن أدقق في المفردات والأدعية، لكن الحياة أحياناً تجبرك على التوقف أمام جمل أو كلمات كنت تسمعها بطريقة روتينية .. ولكن وكأنها رسالة تهزك لتقول لك يوماً .. دقق في ما تقوله والدتك.

لن أبالغ ولكن لأقول بأنني كنت أرى أمي سبقت مثيلاتها في حبها للحياة وأبنائها، لم تدرس في الخارج أو تتعلم تعليماً متقدماً، لكن وعيها واهتمامها لم يكن يمنحها روح المرأة التقليدية على الإطلاق، في مرحلتي الإبتدائية مثلاً لم أخرج يوماً دون أن تشرف على ملابسي وترتيب كتبي لأكون جاهزاً 100% بما في ذلك تنسيق شعري وملئ وجهي بالكريمات أيام البرد، كان مشهد الأمهات في المسلسلات الغربية دارجاً وهن يودعن أبنائهن لدى ركوبهم الباص للمدرسة، أمي التقليدية كانت تقوم بذلك طوال سنوات ست قضيتها في المرحلة الإبتدائية وكنت أرافق فيها شقيقتي مشياً للمدرسة القريبة، كانت مشهدها اليومي بأن تتابعنا حتى نتجاوز مدى عينيها ثم تغلق الباب مطمئنة، أقول هذا الكلام في وقت الثمانينات الميلادية وقت كانت تعيش فيه الأسر في الرياض حياة تقليدية بحتة لكنها .. كانت مختلفة، في وقت كنت أسمع لزملائي في المدرسة كيف أن دور أمهم فقط هو إيقاظهم من النوم.

مشهد الإختبارات يستحق أن أكتب عنه رواية كاملة، أمي الغالية كانت تصاحبنا باستمرار وتتنقل من غرفة لأخرى، وأذكر أنها كانت تصحينا في وقت الفجر للمراجعة ولحبها الكبير وحرصها كانت تجلس بجانبي وأنا أذاكر، كنت أقول لها نامي واتركيني أراجع، لكنها تخشى أن أغفو دون أن أنهي المراجعة، تخيل هذا المشهد ونحن نعيش وقت اختبارات لأربعة أخوة ربما في وقت واحد، كانت مثل النحلة تتنقل هنا وهناك وأحياناً لا تعود للنوم حتى نرجع من الاختبار قرابة العاشرة صباحاً لتعرف إنطباعنا عن الإجابات، وكان لها قياس من نوع آخر، فهي تدقق في ملامح وجهي وقت الدخول وتعرف مقدار إجابتي بحدسها .. وكانت في الغالب قادرة على ذلك.

وأنا بعمر الثامنة تقريباً أدركت تماماً بأنها مختلفة عن كل الأمهات، كنا في منتزه الخيمة الترفيهي وحدث أن أصيب طفل بقربنا إصابة بسيطة، تفاجئت حينها بامتعاض السيدات من عدم وجود إسعاف داخل المنتزه، الحل بالطبع كان في والدتي، أخرجت أشبه مايكون بشنطة إسعافات أولية بحقيبتها الشخصية وعالجت جرح الطفل، مئات السيدات بقربنا يحملن حقائبهن ولكن واحدة فقط كان لديها وعياً بأن تحمل علاجات أولية للجروح ونحوه، كان مشهداً يبعث الفخر وأنا بقربها والنساء يترقبنها معتقدين بأنها طبيبة.

متميزة .. نعم ، مختلفة عن الأخريات .. نعم، مبتسمة دوماً .. نعم ، مصلية ساجدة عابدة كل مرة أدخل فيها المنزل .. نعم ..، لذلك كنت أشعر بتميز لأنني ابن لموضي ..

 

في أيام عزائها كانت شقيقتي تحكي لي كيف أن جامع الملك خالد (الذي وافق ذلك اليوم عدم وجود أي جنازة سواها) .. وكأنها رسالة من الله بأن يكون دعاء مئات المصلين مخصصٌ لها، كان الجزء الخاص بالنساء ممتلئاً بعشرات لا يعرفهن ولكن سمعتها وحب الآخرين لها أجبرهن على الحضور ، بل أن أيام العزاء الثلاثة كنا نطلب فيها مزيد من الكراسي أكثر وأكثر نظراً لكثرة المعزيات بهم، إن الله إذا أحب عبداً نادى جبرائيل إني أحب فلاناً فأحبه ، ثم ينادي جبرائيل في أهل السماء أن الله يحب فلاناً فأحبوه ، ثم توضع له المحبة في الأرض. فيحبه أولياء الله ، وأهل طاعته.

 

جعلي ما أذوق حزنك .. كانت أشبه بتحدي كل مرة أزورها خاصة بعد زواجي واستقلالي في منزل آخر، يجب أن لا ترى حزني – إن كان هناك حزن – ، تقبل الله دعائها بأن قيض الله بأن تعيش في كنف أسرة سعيدة .. عاشت مع أبنائها وبناتها أجمل الأيام، ورأت أحفادها وهم يتزايدون كل عام، أحبت الجميع وفرحت لفرحهم .. عاشت سعيدة وودعتنا دون أن تذوق حزناً .. لكننا نحن من ذاق الحزن يا أمي .

 

 

عندما قال لي .. يا عم :(

عندما قال لي يا عم

أكتب أسطري هذه إلى جيل الشباب والذين ينعمون بحياتهم في عشرينات العمر، كنت إلى وقت قريب أنتشي بكلمات كبار السن التشجيعية الموجهة لي كشاب، خاصة في العمل، من مفهوم أنك الشاب الذي يغير ويطور، وأنك الشاب الذي تتمتع بقدرات تسبق بعمرك .. وأنك الشاب الذي فيك ومافيك، والذي نؤمل عليك قلب الأوضاع رأساً على عقب .. بأفكارك الجديدة والعصرية.

شعور صغر العمر يدور في ذهنك كل يوم، والتصرفات التي تخطئ فيها ربما يفهم بأنك لازلت شاب صغير السن، لا تتمتع بالخبرة في هذه الدنيا، لكن الأيام تمضي بسرعة وبشكل لا تتخيله، حتى تصبح يوماً من نومك وتعرف بأنك الآن لم تعد شاباً كما كنت تحس قبل ذلك.

الآن أصبحت أشاهد الأطفال الصغار الذين كنت أحملهم وألاعبهم بيدي قادوا السيارات وتخرجوا من الجامعة، والطفلة الصغيرة التي كنت أصورها وألاحقها في ممرات المنزل تتزوج، أصبحت أقول كما كان يقول والدي عندما يشاهد شباباً بأنه كان يحملهم على كتفه عندما كانوا أطفالاً، نعم كبرنا لدرجة أننا أصبحنا نتحدث عن ذكرياتنا فيما زملاء لنا في المكتب أو الاستراحة لم يولدوا حينها بعد .. حرب الخليج 90 مثالاً !

كانوا يقولون أن شعور الكبر في السن وتجاوز مرحلة الشباب تأتي عندما تضايقك تصرفات الشبان صغار السن ولا تستسيغ تصرفاتهم أو حتى أطفالهم، بين حين وآخر أقول لنفسي من هو الشخص الذي يقبل لنفسه بأن يأكل برغراً معلباً من ماكدونالدز، أو حتى من يترك الاستماع إلى فيروز وأم كلثوم ومحمد عبده ويستمع إلى ضجيج أغانٍ عربية غير مفهومة أو أغانٍ أجنبية مزعجة.

 

كل ذلك في كوم .. كما يقولون والشعور الذي انتابني ونزل علي كالصاعقة مساء أمس، كنت أتجول في ساكو بصحبة عائلتي، ولم أحلق دقني الذي – للأسف – غزاه الشيب بعد تجربة (بيت العمر)، سألت البائع الشاب السعودي الذي يظهر بأنه متدرب كما في الكرت الظاهر على صدره عن سلعة معينة .. قال لي: ياعم .. ستجدها في فرع مخرج 5 ..

 

هو قالها أم لم يقلها .. وقفت أنظر لحالي في المرآة المقابلة .. نعم يا أحمد اليوم أصبح الشبان ينادونك بـ يا عم .. وأصدقاؤك يقولون لك يا أبوفهد بدلاً عن أحمد، عدت للمنزل وكلمة يا عم وكأنها مكتوبة بالخط الديواني فوق رأسي، رغم أني عدت بحلول منتصف الليل تقريباً إلا أني اتجهت فوراً لحلاقي دقني .. لا أريد أن أكبر .

ملامح الشاب وهو يقول يا عم تتكرر أمامي طوال يومي هذا، وأصبحت كالسيدة التي تغضب عندما يناديها العاملون بـ “يا خالة” .. لقد أصبحنا سواء الآن.

حساب تويتر خاص بالمدونة 

3

منذ فترة بدأت ألمس ضعف الإقبال على خدمات RSS التي يمكن للمتابعين أن يتواصلوا عبرها في متابعة مواقعهم المفضلة، بل أن هذه الثقافة بدأت تندثر مع ظهور الشبكات الإجتماعية السهلة والبسيطة.

لذلك ومن هذا المنطلق تقبلت نصيحة كنت قد رفضتها مسبقاً وهي وضع حساب في تويتر لنشر التدوينات الجديدة، لأنني وببساطة أصبحت مقلاً ومقلاً جداً في متابعة هذه المدونة التي بدأت خطواتها الأولى مطلع العام 2004.

رغم ذلك أجد أن هذه الفكرة أصبحت مقبولة الآن، وضعت الحساب https://twitter.com/ahmed_blog وسأنشر فيه كلما كتبت جديداً.

شكراً لمن بقي وفياً يتابع ما أكتبه هنا .. تحية تقدير واحترام 🙂

وداعاً 2014 .. مرحباً قلبي (يارا)

20114

لم يعد هذا الموضوع سوى ذكرى سنوية أطرحها في الأسبوع الأخير من كل عام،كلما كبرت عمراً كلما كان خالياً من الإثارة والسخرية والتعليقات التي قد تعجب القراء، لا أستطيع العودة للوراء فأنا كبرت .. أفكاري تغيرت وكتابتي أصبحت (غثيثة) أكثر، أحس بهذا الشعور في داخلي وأسمعه دائماً من تعليقات زملائي وأصدقائي وعدد من الأوفياء من قراء هذه المدونة المتواضعة.

اختصر لكم ماحدث في 2014، كنت قررت قلبها بعام البدء في بناء مشروع بيت العمر عن طريق بناء صغير يضمني وعائلتي، كنت أتوقع أن الموضوع سهل وبسيط وينتهي خلال سنة، اكتشفت أن الوضع أكثر سوءاً من مجرد التخيل، الوضع المادي البسيط يصعب المهمة وهاهي عامان تمر دون أن انتهي وكل ماكسبته هو أن كسى الشيب لحيتي رغم أني كنت أعتقد بأنه لن يصل إلا بعد الأربعين .. ولكنه جاء أبكر من ذلك، ولو أعفيتها لأيام قليلة حتماً سأجد من ينادي بالعم.

هذا المشروع باختصار أخذ مني كل شيء، وقتي وروحي وحتى عقلي، التفكير فيه طوال اليوم أثر حتى على علاقاتي مع الآخرين وقبل ذلك كله أثر على عملي وأدائي وانتاجيتي، لا أخفيكم بأنني أعد هذا العام الأسوأ في مسيرتي العملية، أحضر للدوام شبه مغيب وبالكاد أكمل ساعاتي فيه رغم رغبتي بالاجتهاد وتقديم كل ما أقدر، لكن لا إبداع ولا تجديد .. ولا روح أيضاً.

على الصعيد الإجتماعي، رزقت في شهر مارس بأحلى وأجمل وأرق هدية .. ابنتي (يارا)، لم أكن أميل لها كثيراً في أشهرها الأولى كأي طفل رضيع لا ترى ردة فعله أو ابتسامته، بينما الآن هي في شهرها العاشر تقريباً، أستطيع القول بأنها سحرتني وسرقت عقلي، في بدء ولادة فهد كنت أتوقع بأنه البكر المدلل الذي سيأكل الأخضر واليابس على اخوته، لكن مجيء يارا عجل بنسف هذه النظرية.. أصبحت (يارا) محطةً لراحة قلبي وسعادتي، ابتسامتها تكفي لأن أشعر بالسعادة وأنا على يقين بأنها ستنفث المزيد من سحرها في عامها الثاني حين تبدأ المشي – إن شاء الله -.
كلما مر عام كلما كبرت في السن وثقلت الحركة، أعلم بأني سأندم على كلماتي هذه بعد سنوات … كيف أقول مثل هذا الكلام وأنا لازلت في الثلاثينات من عمري، ماذا سأقول حينما أبلغ الخمسين مثلاً .. ، أعلم بأني قد أكون مبالغاً بعض الشيء ولكن هذا مايحدث فعلاً، أتلافى بقدر الإمكان المشاوير البعيدة وأحاول إيجاد العذر قدر ما أستطيع، الزواجات التي تقام في أحياء بعيدة مثل السويدي .. أعد وأمد قبلها بأيام تحسباً للمشوار، إن كنت تعرف شوارع الرياض فلا أبالغ إن قلت لك بأن شارع التحلية هو آخر المناطق التي يمكنني أن أصلها (جنوباً).
السفر .. وما أدراك مالسفر، كنت إلى وقت قريباً أرغب في السفر لدول وأماكن جديدة، نحو 16 دولة خلال عشرة أعوام تقريباً كان حافلة بالترحال، لكن الظروف هذه المرة وقفت بالمرصاد، لم أسافر العام الماضي وهذا العام أيضاً .. ويبدو أن الأمر سيستمر حتى العام المقبل، أحمد الله على أن “دبي” قريبة .. تكفي لـ (رفرش) سريع، ولو سألتني عن أكثر الديار شوقاً لقلت لك أن ولاية كاليفورنيا الأمريكية تكفي عن كل البلدان، بالمناسبة لا أزال أحلم برحلة قطع الولايات المتحدة من الشرق إلى الغرب .. أمنيتني أن أقوم بهذه الرحلة بالسيارة.

إيجابياً خففت التواجد في شبكات التواصل ولم تعد تستأثر بوقتي وبمشاركاتي كما كان الأمر سابقاً، مسحت كل مشاركاتي السابقة في “تويتر” بعدما احتفظت بإرشيفي ومشاركاتي السابقة لدي، لم أفضل أن ينبش الآخرين بمشاركاتي السابقة قبل سنوات وأعتقد أن الأرشيف ملك لصاحبه، أتواجد في “باث” قليلاً وإن كانت دون مشاركة .. موضتي هذه الأيام التواجد في سناب تشات الذي يعجبني بمشاركات الآخرين البسيطة والخفيفة .. بعيداً عن جدية تويتر وجدية البعض الذين يرغبون بتحويل كل شيء إلى أمر نافع وجدي.

هل يمكن أن يقود المجانين مجتمعنا ؟

حتى وقت قريب، حينما أجد وقت فراغ أرتاح فيه من عناء اليوم، كنت أتنقل بين روابط يوتيوب متنوعة أتابع فيها مشاهد الحوار الرياضي السعودي وأضحك على الذين يتحدثون بظرافة وبآراء غريبة وباستنتاجات مضحكة .. سعود الصرامي أحد نجومي المفضلين ولا أبالغ إن قلت بأني شاهدت أكثر مقاطعه، خالد قاضي وجستنيه وغيرهم من ذوي الآراء الغريبة التي لا تملك إلا أن تضحك عليها بأفضل حال مما لو شاهدت مسرحية قديمة لعادل إمام أو حسين عبدالرضا.

في مصر نجمي المفضل بلا جدال توفيق عكاشة الشهير بنظرية 13/13/2013 وأتذكر تصريحاً صحفياً نقل عن عادل إمام قال فيه بأن عكاشة كان من المفترض أن يكون ممثلاً لا إعلامياً .. وقد صدق في ذلك، حس الطرفة والاستهبال وارتجال التعليقات ذات الاستنتاجات الغريبة تدعوك أن تتمنى تدرس حال هذا الشخص وكيف يفكر.
في تويتر كنت ألمح حيناً تعليقات دينية ساخرة كانت تظهر باسم شخص اسمه الشنير أو الشنار، لا أبالغ بأني كنت أعتقد بأنه مجرد ” يوزر ” أطلقه شخص من تيار مخالف لتشويه صورة الدين الإسلامي أو أسلوب الدعوة .. لا أعتقد بأني سأخفي كيف كان اندهاشي عندما اعتقلت الشرطة الشنار .. لقد كان شخصاً حقيقياً فعلاً ويكتب كما لو كان جاداً . !
وش صار بالدنيا ؟ الآن أقرأ عشرات المطالبات بالإفراج عن هذا الرجل صاحب الأفكار الغريبة ليس لأنه بريء مثلاً بل من أجل آرائه ودعوته، بل وأجد رجال علم ومشايخ يكتبون ويرصدون بطولات الشنار داخل التوقيف لدرجة أنه أقنع 23 سجيناً بقيام الليل في يومه الأول.
ضيوف القنوات الرياضية الذين كنت أضحك عليهم أصبحوا يتلقون دعوات من قنوات خليجية للحديث عن مستقبل الكرة السعودية والخليجية وماهي المتطلبات التي تلزمها المرحلة وماهي الأسس التي يجب أن تنطلق منها استعدادات الأندية للموسم الجديد، قنوات مصر الجديدة التي أصبحت تتخصص في برامج (التوك شاو) الليلة أصبحت تفتح ساعات الهواء لحوارات مع مرتضى منصور وأمثاله من الذين كنا نضحك على برامجهم سابقاً وأصبحوا الآن قادة الرأي الجديد.
العملية أصبحت تسير ببطء دون أن نشعر، من كنا نضحك على مداخلتهم شيئاً فشيئاً أصبحوا هم أصحاب (الصف الأول) في الإعلام التقليدي وحتى الجديد، والمصيبة الأعظم بأن آرائهم أصبحت تظهر ويستشهد بها .. هيييييه .. أو بلهجة أخرى .. ياهوووه !

بس خلاص مابي أكمل

وداعاً 2012 .. مرحباً 2013

2013

بسرعة بسرعة .. تمر السنوات دون أن أشعر بها، العام المقبل ستمر 10 سنوات على هذه المدونة، كبرتُ عمراً وشاخت معي فكراً، أنا مقصر بحق المدونة مؤخراً كما تلاحظ، بعد الزواج تحديداً افتقدت الجلوس بهدوء أمام جهازي والتصفح والكتابة بعد منتصف الليل وهو وقتي المفضل للكتابة، الآن هذا وقت الجلوس مع العائلة واللعب قليلاً مع فهد خاصة وأني اعتدت العودة من العمل في أوقات متأخرة، ناهيك عن تأثير “تويتر” الذي لن يشكك فيه أحد.
اعتدت نهاية كل عام أن أرصد أفكاري وملاحظاتي ، سأبدأ هذه التدوينة بالحديث عن حياتي كلها ابني (فهد) الذي رأى النور قبل يناير الماضي بأربعة أيام، الآن فهد بلغ عمره عاماً وبضعة أيام، أصبح يشاركني الجلوس على (الليزي بوي) واللعب في البلاي ستيشن .. طبعاً هو لم يصل لمرحلة التمييز بعد ويد اللعب التي بحوزته مفصولة، لكنه على الأقل يعيش الجو! ، تجربة هذا العام عكست لي كم أن تربية الطفل والرضع متعبة جداً، ناهيك عن متابعة الأكل والنظافة اليومية، لايمكن أن يغيب الطفل عن ناظري والديه لأنه في لحظة واحدة قد يقوم بتصرف خاطئ سواء السقوط أو سحب أسلاك أو القفز فوق الطاولات ! ، أكثر الأمور التي نجحت في السيطرة عليه هو أن أجعل من تواجده في كرسي الطفل المخصص بالسيارة أمراً روتينياً اعتاد عليه، مرة أو مرتين كان المشوار قريباً وجعلته يجلس مع امه في الكرسي الأمامي .. كانت السيطرة عليه وقتها صعبة لأنه يريد الوصول إلى مقود السيارة ! (مابعد فقس ويبي يسوق).
في مجال عملي ازداد الروتين أكثر وأكثر من طرفي خاصة في مسألة الحضور بالدوام لفترتين، كنت أشرف على صفحة اسبوعية مع زميلين آخرين (شباب كافيه) لكن ضغط العمل الكبير لم يمكني من الصمود والاستمرار في الاشراف عليها، حتى توقفت مطلع ابريل بحق كانت واحداً من أروع الأعمال التي قدمتها صحفياً وكانت ردود الفعل رائعة ومميزة.
اممممم ماذا بعد ؟ لم يحدث الكثير هذا العام ربما لم أرصد الكثير من الذكريات .. قضيت إجازتي السنوية في كاليفورنيا التي زرتها للمرة الرابعة على التوالي .. يبدو أن في الأمر سحراً لكني عزمت على أن تكون الأخيرة من باب التغيير .. بكل تأكيد زرت “سانتا باربرا“، تختلف أو تتفق مع أنظمتها إلا أن سحر النظام في أمريكا له وقعه علي .. فأنا من الأشخاص الذين يرتاحون للجو العام المنظم سواء في القيادة أو تخطيط الشوارع أو الأسواق والمطاعم، إضافة إلى أن أريحية الناس هناك ساحرة وتقبل الآخرين لديهم جذاب وقائم على الاحترام والتقدير، تجربة زيارة مطعم وتناول وجبة عشاء – مهما كان مستواه – له جوه الذي لم أجد في دولة في العالم زرت الكثير من الدول شرقاً وغرباً لكن الاستضافة والاستقبال والخدمة في المطاعم الأمريكية جذابة جداً ورائعة.
في الإعلام هذا العام تحديداً ربما لم أشاهد التلفزيون إلا لأجل مباريات الهلال والمنتخب، لم يعد هناك أي شي يشجع على المتابعة حتى في رمضان ..الأمور التي تحدث ضجة أو يتحدث عنها الناس في تويتر وغيره أعود لمشاهدتها ليلاً عبر يوتيوب خصوصاً بعدما امتلكت جهاز (apple tv) الرائع فأصبحت أشغل يوتيوب من الآيفون وأشاهده على الشاشة، أغلب اللقطات كانت تنحصر في مشاهدة بعض من حلقات داود الشريان أو الضحك على الإعلاميين الرياضيين ولا أخفيكم بأني أحب مشاهدة “سعود الصرامي” ومداخلاته المضحكة، كلما سنحت لي الفرصة والوقت بحثت عن مقاطعه في يوتيوب للمشاهدة والاستمتاع بمداخلاته وأعده من الناس القلائل الذين يضحكونني .. أتخيل يوماً وهو يقدم برنامج كوميدي .. أتمنى لو يتطور الأمور في القنوات الرياضية لعمل مايشبه (ستار أكاديمي) يجمع عدداً من الإعلاميين مثل “سعود الصرامي وخالد قاضي والدغيثر وجستينيه” ومتابعة تفاصيل حياتهم .. كيف يعيشون وكيف يشاهدون المباريات .. سأضمن معدل مشاهدات عالية لمشاهدين يبحثون عن الضحك والاستمتاع، طبعاً في الرأي والفكر قدراتهم لا تتجاوز صفراً على الشمال للأسف.
بكل تأكيد هذا العام هو أحد أسوأ الأعوام من الناحية الإعلامية فغالبية الصحف لاتزال تسير بنفس الوتيرة في مجال التعاطي الصحفي ولم تحدث تغييراً في آلية تعاطيها مع الأحدث ، ومواقع النت الإخبارية في المجمل ذات محتوى سيء يبحث عن في غالبيته عن الإثارة بأخبار (الهيئة والفتيات المخطوفات والابتزاز ..)، أصبح السعي أولاً وأخيراً لرفع ترتيب الموقع وكسب أكبر عدد من الزيارات بعناوين جذابة مثيرة وانزلقت في ذلك حتى المواقع الكبيرة، للأسف حتى الآن لم أجداً مصدراً إخبارياً إلكترونياً يعتد فيه.
نجوم الانترنت السعوديين .. هاه ؟ للأسف أني لم أرصد أسماء كثيرة لكن أعجبني التطور الكبير في مستوى عبدالله المشرف واعتقد سيكون له شأن كبير خلال الأعوام القليلة القادمة في مجال التصوير، اياد الداود كان رائعاً وهو يقدم قناة اكس على يوتيوب وهو بالمناسبة شاب رائع سيكون له شأن في المستقبل القريب، فهد العتيبي عبر يوتيوب أيضاً قدم أعمالاً رائعة له ولقناته زيباد من الناحية الإخراجية فهد يتطور بسرعة، نشاط البودكاست كان النشاط الأقل ابداعاً – من وجهة نظري- خاصة في ظل اعتماد غالبية القنوات على التسجيل عبر برامج اتصال (مثل سكايب وغيرها) التي لا أفضلها كثيراً وتفقد أريحية الاتصال المباشر والحوار الواضح.
سعدت بأخرى بوجود أشبه مايكون بـ(استيقاظ المدونات) حيث ظهرت مدونات جديدة إلى النور وعاد بعض إلى التدوين من جديد .. لعلها تكون على شاكلة (أيقظ العملاق) وتعود التدوينات تملأ صفحات الانترنت ونجد شيئاً يستحق القراءة بدلاً من إضاعة الوقت على تويتر الذي بقدر مانحبه .. نكرهه، صحيح أن المتابعة أصبحت ضرورية كون تويتر الآن يعكس نبض الشارع وآخر التطورات فيه .. إلا أن الهاشتاقات السلبية والأخذ والرد الكثير مزعج ومنفر، أقدر برنامج (تويت بوت) كثيراً لكوني أصبحت أحظر عرض الكثير من الهاشتاقات وبالتالي أصبح (التايم لاين) أكثر خفة ورشاقة .. الإشكال أحياناً أن بعض أصدقائك الذين لا تستطيع أن تلغي متابعتهم يدخلون في المتاهات التي لا أول لها ولا آخر .. لكن بشكل عام تضايقني النظرة القاصرة من المجتمع لأي شيء يطرح خلاف المعتاد وتصويره وكأنه جرم كبير، بالطبع التغيير في المجتمع وتقبل الأفكار والآراء المخالفة يحتاج إلى مزيد من الوقت والتوعية والارتقاء بفكر الآخرين من أجل احترام أي مبدأ دام أنه لايتجاوز الدين.

أحد أجمل قراراتي هذا العام هو الارتباط بـ(استراحة القيكس) التي تضم عدد من المهتمين في المجال التقني، بحق ورغم اني اقتصر الزيارة على نهاية الاسبوع إلا أنها أحد أجمل الأماكن التي أستمتع بالتواجد فيها والاستفادة من خبرات الآخرين، كما لازلت أستمتع كثيراً بتقديم “بودكاست أطياف” الذي أقابل فيه عدد من الشباب السعوديين .. أحاول قدر جهدي تقديم مادة ناضجة راقية ذات محتوى في بحر الانترنت المتلاطم الذي أصبحت الإثارة عنواناً لغالبية منتجاته.