هل سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه وسائل الإعلام ؟

من أكثر اللحظات التي تثير حنقي حينما أرى متطفلين على الإعلام وهم ينظرون في مستقبل الصحافة والقنوات الفضائية رغم أنه لم يمارسوا العمل الصحافي يوماً، فهم لا يعرفون حتى كيفية تجهيز وإعداد صفحة من الألف إلى الياء، ولم يكتبوا أخباراً أو تقاريراً أو حتى يقومون بتغطية ميدانية أو رحلة خارجية، ورغم ذلك تجدهم في كل مؤتمر يهيمون وينظرون.

 

ليس لأنني أكملت ستة عشر عاماً في العمل في مؤسسة إعلامية (رجعنا على طير ياللي يالشايب)، ولكن للحق يجب أن يكون الرأي صادر عن ممارسة واطلاع ومعرفة بالأرقام والمعاناة أيضاً التي تعانيها الوسائل الإعلامية بمختلف توجهاتها.

 

نظرتي سوداوية، فالورق الآن على المستوى المحلي يمكننا أن نقول بأنه  شبه انتهى تقريباً وهو أمر أسرع من كل الدراسات المتوقعة، أتحدث عن المبيعات وليس الإشتراكات، من النادر أن تجد نسخاً تباع في سلة الصحف داخل البقالة المجاورة، بل أصبح من النادر جداً وغير المألوف أن تجد زبوناً يقف أمام الصحف ويختار واحدة .. بل حتى بعض الصحف تشهد أخطاء فادحة وفادحة جداً ولا يصبح له تأثير لأن الناس لم يقرأوا النسخة الورقية وأصبحوا يعتمدون على مواقع الصحف الإلكترونية التي تشهد غالبيتها تراجعاً ليس في المحتوى فحسب بل في طريقة وعرض وتصميم الموقع، ربما الصحف الناجحة إلكترونياً لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة – أتحدث هنا عن الصحف العائدة لمؤسسات صحافية – ، بينما الصحف الإلكترونية وإن سجل بعضها أرقاماً كبيرة في الزوار إلا أنها دون المستوى ودون تأثير في الرأي أو التقرير، ومحلياً لا أذكر صحيفة إلكترونية واحدة تستحق الإحترام رغم أن عثمان العمير حاول في إيلاف ولكن توجهها الدولي قلل من انتشارها محلياً، الغالبية منها تسرق الأخبار عياناً جهاراً وتسرق معها الصور أو تعتمد عناوين الصحف الرخيصة.

التلفزيون أصبح مقتصراً على برامج الترفيه أو المباريات، لفت نظري في حديث مع أحد الأصدقاء الذي يعمل في قناة إخبارية – معروفة – بأنه لم يعد متحمساً لكتابة تقارير إخبارية إحترافية خلال النشرات من منطلق أنها لم تعد تشاهد،   في السابق إذا خرج وجهك فقط خلف أحد ضيوف القناة الأولى ربما يشاهدك وقتها نصف سكان السعودية، الآن قد تخرج ضيفاً في برنامج أو لقاء وتترقب ردود الفعل لكنها لا تصلك لأن أحداً لم يشاهدك .. إلا من رحم ربي.

 

هذه التغيرات ملحوظة ونحن نعيش في 2015، فكيف سيكون الحال في 2020 مثلاً ؟ الناس أصبحت تشاهد التلفزيون بنظام – تحت الطلب – ، فإما تشاهد مسلسلاً أو فيلماً عبر الانترنت، أو مادة منقولة على يوتيوب، فقط المباريات هي التي تجبرهم على الحضور والمشاهدة كبث مباشر.

 

برامج المحادثة الآن كالواتس آب وغيره أصبح تكسر كل قوانين البث وحقوق الملكية، جهة إعلامية ما تدفع الغالي والنفيس لقاء نشر حلقة من برنامج على يوتيوب يكلفها ربما 200 ألف ريال في الحلقة الواحدة بغية رفع سقف المشاهدات وبالتالي زيادة قيمة الإعلان، تجد هناك من يقوم بتحميل العمل ونشره في الواتس آب وغيره وبالتالي لا تسجل تلك كمشاهدات يستفيد منها صاحب العمل نفسه.

 

مؤسسة صحافية تدفع مرتباً لكاتب مرموق لقاء 20 أو 25 ألف ريال شهرياً نظير مقال يومي أو اسبوعي تزيد به شعبية موقعها وعدد متصفحيه، بمجرد نشر المقال تقوم عشرات الموقع الإعلامية الأخرى بنقله إضافة إلى نقله كصورة – وليست كرابط – في تويتر أو فيس بوك .. بالتالي الجهة التي تكفلت بالمرتب لم تستفد أي شيء وهو مايؤثر عليها لاحقاً .. تدفع مرتبات كبيرة دون عائد، الشيء ذاته ينطبق على الكاريكاتير وقس على ذلك.

 

عدد من يقرأ .. يتناقص عاماً بعد آخر، وعدد من يشاهد التقارير والبرامج المطولة لم يعد مؤثراً، أصبحت المعلومة والمادة والخبر المعلب – بفضل الشبكات الاجتماعية – هدفاً بحد ذاته، والعاملين بالصحف يعون كمية ردود الفعل التي تنتج عن قراءة العنوان فقط – أي أن القارئ لم يقرأ النص -، فالقراء الجدد يقرأون العناوين ويشاهدون الصور وبالكاد يتوقفون عند مادة تعجبهم.

الوسائل التي ستبقى، إما التي تكون مدعومة من جهة أخرى سواء من قبل حكومة أو من قبل جهة خاصة – رابحة – لكنها تبحث عن ذراع إعلامي مساند، فشركة المملكة مثلاً العائدة للأمير الوليد بن طلال ستحتاج إلى ذراع إعلامي مساند سواء كقناة أو صحيفة .. وهلمجرا.

في توقعي أن السوق الصحافي في السعودية يترقب انسحاب صحيفتين، فبعد انتهى عمر المجلات بشكل شبه رسمي .. الدور على الصحف شيئاً فشيئاً، ستبقى المؤسسات الإعلامية السعودية الكبيرة تعمل اعتماداً على مواقعها الإلكترونية لكنها لن تحقق الأرباح الخيالية التي كانت تحققها قبل 2015.

صناعة الترفيه ستكون هي الهدف الأول والأخير مستقبلاً .. سيغيب الخبر ولن يهتم الناس بالرأي.