الثقة بين ستيت ستريت وفلافل أبو جبارة

ستيت ستريت سانتا باربرا

من أكثر الأمور التي شدتني عندما زرت سانتا باربرا – كاليفورنيا – في أيامي الأولى، التناغم الذي يحدث بين سكان البلدة وقائدي الباصات التي تجوب (ستيت ستريت) طولاً وعرضاً بتكلفة لا تزيد عن نصف دولار، إذا تأخروا أمام جهاز الدفع للبحث عن عملة ينبههم قائد الباص بأن بإمكانهم الدفع غداً أو (متى ما أرادوا)، على الرغم من قلة المبلغ إلا أن هذا الأمر كان يشدني دائماً وأنا أجلس في مقعدي أترقب الداخلين الذين لا يحملون معهم نصف الدولار.

كان يعجبني منظر الثقة المتبادلة بين الطرفين، السائق يعرف بأن الراكب لن يسرقه وسيدفع غداً أو بعده (كنت ألحظ أحياناً من يركب ويدفع دولارين مثلاً عن أيامٍ ركب فيها بالمجان).
لا أخفيكم بأني كنت أترقب وأتحسر، لماذا لا نعيش هكذا، لماذا لا نقدم حسن الظن والثقة بالآخرين ونعيش الشعور ذاته، في واقع الأمر من جهتي احتاج الأمر خمس سنوات من تلك الحادثة في كاليفورنيا حتى أعيش أحداثها في الرياض.
البارحة توقفت في إحدى البقالات القريبة لشراء المشروبات ولأني سيء جداً في الرياضيات وبحكم أن المشروب الغازي سعره 1.5 فهذا الامر سيدخلني في متاهة الحساب .. إممم 10 علب بـ 15 ريالاً (هي ماتبقى حينها في جيبي) ولعلي أخطأت وزدت العدد إلى 11، وصلت إلى الكاشير وهو مقيم يمني واكتشفت اني زدت العدد لذلك فضلت سحب علبة من الكيس لأن كل ماكان معي هو 15 ريال فقط، تفاجأت بأنه وضعها في الكيس وأقسم (لا ترجع شيء .. أي وقت تجي بعدين حاسب عنه) .. أخبرته بأني أخطأت في العد وأريد 10 فقط بينما هو أصر على رأيه مطالبني بسرعة الانتهاء بحجة أن الزبائن خلفي.
الثقة لها وقع جميل حتى ولو كان على مبلغ ريال واحد فقط، أسعدتني كلماته وهو يرفع الكيس نحوي إن كنت أحتاج أمراً آخر.
صباح اليوم وبحكم أني أعمل في إجازة العيد صحوت متأخراً- كعادتي – ووصلت إلى مطعم قريب من مقر عملي لشراء وجبة إفطار، لا أخفيكم بأني سعيد بأن مطعم (أبوجبارة) قريب فاتجهت ناسياً بأن محفظتي خالية منذ الأمس، طلبت الوجبة وحين هممت بالحساب تذكرت بأن المحفظة خالية اعتذرت بحجة أني سأذهب إلى صراف قريب وأعود .. أجابني الكاشير بأن الوقت ضيق وأنهم سيقفلون الآن لصلاة الظهر ولا يمكنه انتظاري ثم علق .. (خذ الوجبة وهات المصاري في أي وقت بعدين)، ابتسمت وشكرته على هذه الثقة بالناس وأن هذا الأمر يعطي لمحة إيجابية عن مستوى الخدمة ويبدو أن (كلامي .. جاز له) فأمر العامل بأن يزيد الكمية.
قد تكون هذه المواقف تواجهكم يومياً (ماجبت جديد)، لكن بالنسبة لي لم أعتد أن ألحظ مثل هذا الأمور هنا بالرياض وإن كنت أعزوه لأمرين أولهما البرامج الإيجابية التي تظهر بين حين وآخر مثل برنامج “خواطر” الذي يعزز من نشر قيم مثل هذه فهي ستؤثر بما يشاهدها (شئنا أم أبينا) الأمر الثاني والذي أعتقد بأنه الأصوب هو أني كبرت بالسن مع بوادر اكتساح الشيب وأن هذا الأمر يعطي ثقة للباعة بأن الرجل كبير ومتزن وليس مثل الشباب والمراهقين وبالتي سيعود يوماً ويدفع.
في كلتا الحالتين الأمر إيجابي، وحقيقة نحن نتحسن في تعاملات الحياة في السنوات الأخيرة بفضل انفتاح الانترنت والفضائيات، باستثناء اسلوب قيادة السيارة.

 

تحديث:

تحديث: ياللمصادفة وقت نشر الموضوع كنت أتصفح الانستغرام وحصل لسعود العكوز موقف مشابه 🙂 .. مالذي يحدث