درس أول : لا تصدق شهود العيان

 

بين ناظري الآن كاريكاتير جميل للرسام عبدالسلام الهليل، الرسم كان لشخصين يتحدث أحدهما للآخر وهو يقرأ خبراً من جريدة يحكي قصة بمقتل رجلين إثر حادث سيارة .. وفي تفاصيل الخبر يشار إلى أن قائد السيارة كان ينوي أكل موزة فما كان من زميله الذي كان بجانبه سوى خطفها منها ومن ثم حدث عراك بينهما على (الموزة) حتى اختل توازن السيارة واصطدمت بحاجز اسمنتي أدى إلى إنقلابها ومقتل من فيها.

كيف عرفت الصحفي بتفاصيل القصة ؟ نسبها إلى شهود عيان كانوا متواجدين لحظة وقع الحادث، لكن غاب عنه سؤال .. كيف عرفوا بالحوار الذي دار بين الشخصين داخل السيارة ؟ هذا هو أول تساؤل سيفكر فيه القارئ ..

أول درس صحفي يمكن لأي محرر أن يتعلمه ( لا تصدق شهود العيان) ، وأقول لا تصدقهم لكن لا يعني أن تتجاهلهم فمنهم يمكنك معرفة الخطوط الأولية للقصة لكن ذلك لا يعني الاعتماد على كل ماذكروا .

من يعرف قصص الحوادث أو تابع جزء منها يعرف بأن الفضولين أصلا لم يتجمهروا أمام الحادث سوى للحديث عنه للآخرين من منطلق أن السائق (كان يحاول أن يتجاوز بطريقة كذا لكنه تفاجأ بكذا) وغيرها من قصص الإثارة التي يحاولون إضفائها لتبرير (لقافتهم)، جرب يوماً أن تقف بجوار حادث مروري للتو قد وقع واسأل شهود العيان المحيطين بالسيارات .. ستجد إجابات مختلفة وكثيرة رغم أن غالبيتهم لم يشاهدوا الحادث فعلاً لكنهم كانوا فقط متواجدين لحظة وقوعه، كما أن دراسة قرأتها مرة تؤكد بأن شهود العيان الذين تواجدوا في بداية الحدث يتبنون أول رأي يستمعون له كرأي لهم حول ماوقع، فلو افترضنا بأن الحادث المروري وقع في ساعة متأخرة ولم يكن هناك سوى شخص واحد رأى الحادث فعلاً هو من سيروي لأوائل الواصلين من الفضولين ماجرى من منطلق رأيه هو ، بعدها يستغل (بشكل لا إرادي) هؤلاء الفضولين ويتبنون القصة من منطلق كونهم (شهود عيان) ويعرف شاهد العيان هنا لدينا في السعودية بأنه الشخص الذي كان متواجداً في مكان الحادثة قبل وصول سيارات الشرطة أو الهلال الأحمر.

كما أن شاهد العيان عادة يحب أن يضفي على شهادته بعداً آخر يؤكد مهارته في الإطلاع والمعرفة والخبرة ولا يكتفي بمقولة ( لا أعلم .. أو لا أدري) فهو ينصب نفسه عادة كطرف رسمي في الموضوع ، بالأمس القريب اشتعل برج في شمال الرياض لأسباب مجهولة (حتى الآن) علماً بأن الحريق اقتصر على قمة البرج ..ربما الأدوار الأربع العلوية فقط ، لكن من استمع وقرأ في الصحف لشهود العيان يعتقد بأن الحريق وقع في كوكب آخر نظراً للاختلاف الكبير بين الروايات .. منهم من قائل بأنه التماس كهربائي ، وآخر يقول بان الرافعة انفجرت وأحدثت صوتاً سمعه كل سكان الحي، وثالث يؤكد بأنه التقى بالحارس الذي ذكر له بأن بداية الحريق كانت من أعقاب سجائر العمال .. أما شاهد العيان الباحث عن الإثارة الكبرى فقد يؤكد لمن حوله بأن الحادثة كانت نتيجة فعل فاعل وأن الحارس شاهد شخصاً يركض خارجاً من مدخل العمارة .. الخ.

للأسف كثيرٌ من الصحفيين نتيجة ضعف المهنية -غالباً- أو نتيجة الكسل والخمول يميلون للاعتماد كثيراً على شهود العيان في قصتهم الصحفية ومحاولة جمع أكبر عدد من الحاضرين لبناء القصة وتبهيرها بالأخبار المثيرة ذات المفارقات التي تجذب عين القارئ ويقرأ القصة حتى رغم أنها في النهاية تكون مبنية على أسس غير سليمة.

لذلك أقول لكل منتم جديد للصحافة لا تصدق شهود العيان أولاً .. ولا تثق بكل مايقول له المتحدث الرسمي ..

فكرة واحدة على ”درس أول : لا تصدق شهود العيان

التعليقات مغلقة.