علمتني الحياة : إياك والغرور

داري الصورة مالها دخل .. عاد هذا اللي حصلته في جوجل لما بحثت عن الغرور

في رأيي أن صورة المغرور بوسائل الإعلام مشوهه.. ومشوهه تماماً ، حيث لازال شكل الشخصية المغرورة يتردد في ذهن كل واحد منا بالشخص المتكبر الذي يمط شفتيه لأعلى بين حين وآخر .. ويتحدث من أنفه .. ونظراته يغلب عليه الاستحقار لكل من حوله .. أبداً ليس هذا شكل الشخص المغرور .
أصدقكم القول بأني هذه الأيام أدفع ثمن غروري في سنوات سابقة ، عندما كنت في الثامنة عشر من عمري كنت أصنف نفسه بـ (اللي مافيش زيه ) ، وكنت أنظر لحالي فوق مستوى الكثيرين من نظرائي سواء في المدرسة أو بين الأصدقاء والأقارب .. سرعة بديهتي في تلك الأيام – وكحال أي شاب متحمس – كانت تخطف أنظار الكثيرين من الكبار .. فكأن ذلك إيحاءاً لي بأني فعلاً مختلف (وفاهم ) ..
سنة بعد أخرى .. يزداد الكبرياء في داخلي رغم أن ذلك لا ينعكس على هيئتي على الإطلاق .. كنت أقوم ببعض الأعمال الفريدة التي كانت تزيد رصيد الغرور أكثر وأكثر حتى كنت أنظر لنفسي مستقبلاً ذهبياً ( مافيش زيه ) ..
في تلك السنوات كنت أتابع برامج المسابقات وأسارع في حلها في نفسي قبل أن ينطق المتسابق الإجابة ..أيام بنك المعلومات وسباق مع الساعة  وحروف .. وكنت أضحك كثيراً على غباء المشاركين الذين لا يستطيعون تقديم الحلول السهلة ، في تلك الأيام أيضاً كنت أشارك بفعالية في مجلات الأطفال وأحرر في صفحاتها بين حين وآخر مثلا مجلة ماجد الإماراتية وفي ذات الوقع كنت أقرأ في مجلات ثقافية متخصصة كمجلة العربي الكويتية والمجلة العربية السعودية التي يحضرها شقيقي الأكبر ، بل حتى مع بدء دخول الانترنت في 1999 كنت أقضي الساعات الطوال أخترق موقعاً وأدخل في جهاز آخر وأصمم مواقعاً وأشرح الكثير من مفاهيم النت والتصاميم لزملاء متخصصين في كلية الحاسب حتى أني كنت أشتري كتباً متخصصة في البرمجة لتعلم لغات الفيجوال بيسك وغيرها رغم أني كنت أدرس في الجامعة غارقاً في كتب سخيفة عن لغات العرب والإعراب والفرق بين اللذان والذان وقصائد ( الدشير ) امرؤ القيس وعمرو بن أبي ربيعة وأبو نواس .
أصدقكم القول كنت أرى المستقبل ذهبي بكل ماتحمله الكلمة من معنى حتى أني كنت أفكر في تلك السنوات بكيفية التصرف في (الثروة الطائلة التي سأجنيها حين أكبر ) .
الآن وأنا أتجاوز سن الثلاثين بعام أصبحت أتأمل في نماذج الناجحين .. فعلاً الفرق شاسع .. وشاسع جداً ، العشرات والمئات كانوا يصنعون أنفسهم في مراحل الشباب بهدوء وصمت حتى لا يخيل لك بأن زميلك في المرحلة الثانوية والذي كنت تعده في ذلك الوقت كما نقول باللهجة المحلية (سبهه ) تحول إلى شخصية تقنية متميزة وتبوأ مكاناً قيادياً في إحدى الشركات الكبرى ، والآخر الذي كان يستجديك لكي ينقل منك الواجب كان يعمل في الليل ويدرس في النهار بالجامعة حتى جمع مبلغأ كبيراً من المال دفعه للدراسة في أمريكا ليحضر بالدكتوراة وهو لم يتجاوز عامه الثلاثين في وقت قياسي وليصبح أحد الوجهاء في المجتمع يأمر وينهى ، أما الثالث الذي ترك كل صلة بالدراسة بعد المرحلة الثانوية .. انكب على نفسه وأصبح يقرأ كتاباً كل اسبوع وربما أقل .. حتى كون حصيلة ثقافية لا يوازيها أي حصيلة .. ليصبح المطلب الأول لوسائل الإعلام .. يظهر في أكثر من قناة ويكتب مقالات في أكثر من صحيفة ويحلل سياسياً في بعض الأحيان وهو قد دخل الآن في مرحلة تأليف الكتب والروايات .
الرابع .. الذي كان لا يفرق بين فذر ومذر .. لم يكن يملك القدرة على نطق كلمة انجليزية واحدة ، قرر دخول دورة انجليزية مكثفة في الفترة المسائية بعد أن يخرج من عمله عصراً .. في ظرف سنة وبضعة أشهر أصبح يتحدث بطلاقة وكأنه قد عاش هناك سنوات .
أحمد الله على حالي الآن فهو في المتوسط ، ولكن حين أتأمل عزيمة الناجحين الآخرين أعرف بأني كنت أخدع نفسي في سنوات سابقة .. من يريد النجاح والوصول فطريقه واضح وجلي .. ومن يريد التعب و ( الغثى ) فطريقه واضح كذلك .. .
في كل لحظة من حياتك عد نفسك دون مستوى الآخرين وحاول بجهد أن تتقدم خطوات للأمام .. حاول أيضاً أن ترتبط – ليس شرطاً أن تصادق – بالناجحين والمتفوقين فهم من يحفزك بشكل غير مباشر .. والأهم أن لا تحصر زملائك وأصدقائك في فكر معين .. حاول أن تلم بأكبر قدر من فئات المجتمع .. فكرياً .. كيف يفكر العالم من حولك وكيف يخطط .. واحتقر كل ماعملته بين حين وآخر وحاول أن لا تعتقد بأنك أذكى من البقية .. إياك وإياك والغرور .

فكرة واحدة على ”علمتني الحياة : إياك والغرور

التعليقات مغلقة.